سلايفي

مازن كان ساب شغله عشان يفتح شركة نقل ومقاولات، وكان بيفاوض على توسعات في الإسكندرية. فكان بيقضي أيام كاملة بره القاهرة.
ساعتها أخد قرار متهور وصادم.
— لو رجعوا يسألوا عليا، قولي لهم مابقتش موجود. إن مازن خلاص مات بالنسبة لهم.
— عاوزني أقولهم إنك عزلت وسيبت البلد؟
بصلي بضع ثواني وقال:
— لأ. لو حسوا إني لسه موجود ومتاح، هيضلوا يطاردوني. قولي لهم إني مت.
بعد شهرين رجعوا.
وصلوا ووشهم متقشر من الشاطئ ومحملين شنط هدايا وابتسامتهم واصلة لودانهم.
— هو أخونا الصغير فين؟ — رانيا سألت.
حسيت بغصة ومرارة في زوري.
— مازن اتوفى من ست أسابيع.
الاتنين اتسمروا مكانهم.
قلت لهم إن شركته دخلت في أزمة، وإن جاله ظرف صحي مفاجئ، وإني أنا وهدى دفنّاه ودعنّاه وهما مكنش حد عارف يوصلهم.
شيماء اتطوحت وقعدت على الكرسي.
ورانيا قعدت تعيط.
لمدة دقايق صدقت إن لسه فيه حتة بني آدمين جواهوم.
لحد ما شيماء رفعت رأسها وقالت:
— والشركة بتاعته أخبراها إيه؟
ما رديتش.
— والفلوس اللي في حساباته؟ — رانيا كملت بفجع — ساب وصية ولا حاجة؟
اللحظة دي وجعتني أكتار من كل شتايمهم ووساختهم.
— اللي سابه اتقسم وراحت أغلبيته لجمعيات ومؤسسات أيتام — رديت برود — ده اللي كان عاوزه.
— مش ممكن! — شيماء صرخت — إحنا أخواته!
— وأنتوا طول عمركم كنتوا شايفينه مجرد مكنة أي تي إم بتطلع فلوس!
مشوا وهما هيتجننوا من الغل.
بعد تمثيلية موت مازن، شيماء ورانيا رجعوا يعيشوا مع هدى. ولعدة أسابيع، تصرفاتهم كانت هادية بشكل يشكك. بقوا ينزلوا يشتغلوا، ويدفعوا جزء من مصاريف البيت، وبطلوا يطلبوا فلوس.
كنت بروح أزور هدى كل كام يوم.
— أنتِ كويسة يا أمي؟
— الحمد لله يا بنتي — كانت بترد عليا — يمكن لما افتكروا إنهم خسروا مازن فاقوا ونضفوا.
كنت حاسة بذنب كبير إني ماشية في الكذبة دي، بس هدى كانت عارفة إن مازن حي يرزق، وكانت وافقت على الخطة عشان بناتها يبطلوا ينطوا عليه وينشفوا ريقه.
— ابني يستاهل يرتاح ويتنفس — قالتلي في يوم — وأنا كمان عاوزة أعرف هل هما ممكن يتغيروا فعلاً لما يحسوا إن المية اتقطعت؟
بعدها بشهر، هدى كتبت الشقة بتاعتها باسمي مع حق الانتفاع ليها طول حياتها، وغيرت اسم المستفيد في وثيقة التأمين. أنا عرفت بالصدفة بعد ما عملت كده.
— ليه عملتي كده يا أمي؟
— عشان مش هكافئ الفشل والاستغلال. لو في يوم جرالي حاجة، عاوزاكي أنتِ اللي تتصرفي في كل حاجة.
ترجيتها تعيد تفكير، بس رفضت قاطعة.
— الموضوع مش فلوس. الموضوع إني عارفة مين اللي وقف جنبي وسندني لما مكنش حيلي حاجة أقدمها.
بعد أسبوعين جالي اتصال من شيماء.
صوتها كان ناشف ومفيهوش روح.
— أمي ماتت.
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا.
— إيه اللي حصل؟!
— لقيناها مغمى عليها في الحمام. الإسعاف قالوا غالباً أزمة قلبية.
جريت على هناك. فيه حاجة مكنتش راكبة: هدى كانت بتمشي كل يوم، وقبلها بأربعين ساعة كنا بنتكلم وبنخطط ننزل السوق سوا.
لما سألت هل فيه تشريح أو تقرير طبي كامل من الطب الشرعي، رانيا اتوترت وقالت:
— تشريح إيه؟ الدكاترة قالوا وفاة طبيعية!
— أنا عاوزة أتأكد بنفسي.
— أنتِ مش بنتها عشان تطلبي!
الكلمة نزلت عليا زي السوط.
وأثناء تجهيز الجنازة، حصلت الخناقة. الأخوات اكتشفوا إن الشقة مكتوبة باسمي وإني أنا المستفيدة من بوليصة التأمين.
شيماء حاصرتني ورا صالة العزا:
— طلعتِ حية وناصحة أوي.
— أنا مكنتش أعرف إن هدى عملت الورق ده!
— الأول مازن.. ودلوقتي أمي.. ويا سبحان الله كل حاجة بتصفصف عليكِ أنتِ!
— لمي لسانك واعرفي بتكلمي مين.
رانيا قربت بشر:
— تنازلي لنا عن الشقة ونص التأمين.
— مش هيحصل.
— يبقى هنثبت بالقانون إنك لعبتِ في دماغ أمنا واستغليتيها.
قبل ما ألحق أرد، صوت راجل يرن من وراهم:
— يبقى هتحتاجوا تشرحوا حاجات كتيييير أوي للنيابة قبل ما تتهموا كاميليا.
الاتنين اتدورا.
مازن كان واقف عند الباب.
شيماء النفس اتقطع منها:
— أنت… أنت حي؟!
— أه. وأمي كانت عارفة إني حي.
رانيا بدأت تصرخ وتزعق إن دي تمثيلية وفخ، بس مازن مكنش جاي لوحده. كان معاه اتنين من ضباط المباحث ودكتورة من الطب الشرعي.
— ق.ضية أمي مش هتتقفل على إنها وفاة طبيعية — مازن قال بثبات — امبارح تفحصنا كاميرات العمارة وسجلات الصيدليات اللي في المنطقة.
شيماء وشها اصفر وجاب ألوان.
— سجلات إيه؟
مازن بص لها ببرود وقسوة عمرهم ما شافوها فيه:
— سجلات الأدوية والأقراص اللي أنتوا اشتريتوها قبل وفاتها بتلت أيام.
وساعتها بس فهمت إن الكذبة بتاعة موت مازن مكنتش مجرد كشف للطمع… دي كشفت عن جري.مة أبشع بكتير.
النيابة طالبت بتشريح الج.ثة فوراً، والتقرير المبدئي للطب الشرعي نزل زي الصاعقة على الكل: هدى ماتت مسمومة بجرعة عالية ومكثفة من دوا هبوط الضغط وضربات القلب، دوا كانت بتمشي عليه بانتظام، بس الجرعة اللي اتعطت لها في اليوم ده كانت كفيلة توقف قلبها في ساعات.
شيماء ورانيا اتسحبوا على القسم والتحقيقات بدأت.
تفريغ الكاميرات وشسجلات الصيدلية أثبتوا إنهم اشتروا علبتين إضافيين من نفس الدوا من صيدلية بعيدة عن المنطقة باسم مستعار قبل الوفاة بتلت أيام.
ولما النيابة فتشت تلفوناتهم، لقوا المحادثات البشعة بينهم.
كانوا متفقين إن هدى طالما بقت تعاملهم بكشير وما بقتش تديهم فلوس زي الأول، ومبقاش فيه أمل يأخدوا حاجة منها وهي عايشة، يبقى مالهاش لازمة تقعد. وكانوا فاكرين إن الشقة والمبلغ اللي في البنك هيروحوا ليهم تلقائياً بصفتهم الورثة الوحيدين بعد “وفاة” أخوهم مازن.
مكنوش يعرفوا إن هدى كانت أذكى منهم، وإنها أمنت الشقة وبوليصة التأمين باسمي، ولا كانوا يعرفوا إن مازن عايش ومتابع كل حاجة من بعيد.
في المحاكمة، الاتنين لبسوا ق.ضية “ق.تل عمد مع سبق الإصرار والترصد”، والدلائل كانت قاطعة. القاضي أدى شيماء ورانيا حكم بالسجن المؤبد، ليقضوا بقية حياتهم ورا القضبان جراء اللي عملوه في الست اللي ربتهم واستحملت قرفهم سنين.
بعد الق.ضية ما قفلت، أنا ومازن قعدنا في الشقة القديمة بتاعتها. المكان كان هادي، بس كان فيه ريحة هدى وروحها الطيبة.
مازن كمل في شركته في الإسكندرية، الشقة أكتبت باسم جمعية خيرية لرعاية الأيتام زي ما هدى كانت تتمنى في أواخر أيامها، وبقينا نخصص جزء من أرباح الشركة شهرياً لنفس الجمعية.
ساعات الخسارة والوجع بيبقوا صعبين، بس الحقيقة دايماً بتطلع في النور. شيماء ورانيا افتكروا إنهم بيخططوا ويسرقوا، بس في الآخر كل واحد أخد جزاؤه.
وأنا ومازن تعلمنا إن حماية نفسنا من قلة الأصل والشر مش قسوة… دي كانت الشاطرة الوحيدة اللي فضلت لنا عشان نعيش في سلام.