«عشان خاطري يا بابا متسافرش النهاردة.. نيفين بتحطلي حاجة في العصير كل ما أنت بتسافر، وبعدها إيدي بتقعد تترعش ودماغي بحسها بتجري ومش قادرة أوقفها!» نيفين دي مراتي بقى لها ١٠ شهور. مراتي الأولى، سارة الله يرحمها، توفت من كام سنة، وقعدت سنتين عايش عشان بنتي وبس، وكنت فاكر إن خلاص أحلى أيام حياتي انتهت. نيفين دخلت حياتنا بالتدريج، عمرها ما طلبت مني أشيل صور سارة، ولا كانت بتتضايق لما نور تتكلم عن ماماتها.. وأنا وقتها فسرت هدوءها وصبرها ده على أنه طيبة وأصل ونظافة قلب. بس نور بصلت ناحية المطبخ بحذر، وكملت: «هي بتقولي إن النقط دي فيتامينات، بس بعد كده بتقعد تصدمني بالموبايل وتصورني وأنا بتعصب وبتصرخ، وتقول للناس إني مريضة وبجنن!» وطيت لحد ما بقيت في مستوى طولها وسألتها: «وهي قالتلك ليه بتصورك الفيديوهات دي يا نور؟» نور هزت رأسها بالخوف وقالت: «قالتلي في يوم من الأيام بابا هيعرف إنك لازم تعيشي في مكان تاني بعيد، ولو حكيتي له على حاجة هيطردك أنتِ عشان هي معاها دليل إنك مجنونة..» دمي حاط في عروقي، وكان كل تفكيري أدخل المطبخ أجيب نيفين من شعرها وأواجهها، بس نور قالت جملة خلتني أقف مكاني زي الصنم: «وفي راجل كمان اسمه شريف بيجي، وبيتكلموا عن فيلا الساحل بتاعة ماما.. هو قالها إحنا فاضلنا فيديوهين كمان بس وبعدها بابا هيوقع على ورق المصحة أو الرعاية!» فيلا الساحل الشمالي دي كانت ورث سارة من جادتها، وبعد ما سارة توفت، الفيلا بقت محطوطة في حراسة وأمانة باسم نور، وأنا مجرد الوصي عليها لحد ما تكبر.. وتمنها معدي الـ ٥٠ مليون جنيه! في اللحظة دي، خرجت نيفين من المطبخ وماسكة فنجان قهوة، وقالت بابتسامة صفرا: «شكل في حد مش عايز بابا يسافر النهاردة خالص!» كتمت الغضب اللي جوايا، بوست خدها وأنا بجبر نفسي أبتسم وقلت: «هكلمك أول ما أوصل إسكندرية.» أول ما خرجت من الشارع، قلت للسواق يقف بعد شارعين بالضبط. لغيت السفرية فوراً، وكلمت حازم، مهندس شبكات وكاميرات مراقبة كان عملي نظام أمان في البيت من فترة. خلال ساعة ونص، كان حازم راجع المراقبة وسيستم الكاميرات الذكية اللي في البيت، واكتشف إن في تسجيلات نيفين مكنتش تعرف إنها بتتسجل أوتوماتيك على الـ Cloud! شفنا فيديو وهي واقفة فوق كوباية العصير بتاعة نور وبتنقط فيها من قزازة صغيرة ملهاش اسم.. وفيديو تاني وهي بتصور نور والمادة دي عاملاها حالة هياج وعصبية شديدة، ونيفين بتستفزها وتقولها: "وري بابا بقى قد ايه أنتِ عيلة مجنونة ومبتتطاقيش!" ما استنيتش ثانية واحدة ولا استنيت لما تكررها تاني. الساعة ١:٢٠ الظهر، فتحت باب البيت ودخلت فجأة. نيفين كانت لابسة وطالعة تتغدى بره. اتخضت وقالت: «إيه ده؟ أنت مرجعتش إسكندرية ليه؟» قلت لها ببرود: «اجتماع إسكندرية اتأجل.. وأنا جاي أخد نور تقضي الباقي من اليوم عند طنط ماجدة (أم سارة الله يرحمها).» وش نيفين أتقلب وابتسامتها اختفت: «بس هي عندها واجبات يا إيهاب، وبعدين تغيير روتينها ده بيخلي سلوكها يبقى أوحش وأعنف!» بصيت لبنتي وقلت لها: «هاتي شنطتك يا حبيبتي.. أنتِ جاية معايا.» نور جرت جابت شنطتها قبل ما نيفين تفتح بقها حتى بكلمة.. والمرة دي، أنا أخدت بنتي في حضني ومتمشيتش ولا سبتها ثانية واحدة تاني! : أول ما أخدت نور، طلعت بيها على أكبر مستشفى أطفال في القاهرة بدل بيت جدتها، بس سبت نيفين فاكرة إننا رايحين عند طنط ماجدة عشان متبوظش الدنيا أو تحاول تهرب. تيم أطباء السموم في المستشفى استلموا نور فوراً وطالبوا بتحاليل دم وبول كاملة. فرجتهم على الفيديوهات اللي حازم سحبها من الكاميرات، وحكيتلهم كل كلمة نور قالتها، وأكدت إن محدش في البيت عنده إذن يديلها أي نوع دوا. بعد كام ساعة، الدكتور جه ومعاه التقرير المبدئي: نور كان ينزل في جسمها بانتظام وبشكل متكرر مادة مهدئة ومحفزة في نفس الوقت مش مكتوبة بشتيمة دكتور، والمادة دي بتسبب أرق، ضربات قلب سريعة، هياج، رعشة في الإيد، وتغيرات حادة في السلوك. الدكتور قال وهو بيختار كلامه بدقة: «يا أستاذ إيهاب، التقرير ده بينفي تماماً الأوهام أو الأمراض النفسية اللي بتظهر في فيديوهات الموبايل، خصوصاً لما يكون في دليل واضح إن في مادة خارجية هي اللي بتسبب الهياج والسلوك ده للنوايا دي.» حسيت بالذنب والوجع إن الحقيقة الواضحة دي كان لازم دكتور يصرّح بيها عشان أستوعب البشاعة. نور مكنتش بتبقى عيلة صعبة أو مجنونة فجأة.. في حد كان بيعمل كل ده بدم بارد عشان يبينها كده! تلفنت فوراً للأستاذ طارق، المحامي بتاعي والصديق المقرب، وحكيتله كل حاجة في نفس الوقت اللي المستشفى كانت بتبلغ فيه خط نجدة الطفل والجهات المختصة. طارق حذرني فوراً: "إياك تماضي، أو تنقل، أو تتكلم في أي ورق خاص بفيلا الساحل لحد ما نربط كل الخيوط ببعضها." في الوقت ده، وصلت طنط ماجدة (أم سارة) المستشفى، وأول ما نور شافتها اترمت في أحضانها وقعدت تعيط بحرقة: «هو أنا ينفع أعيش معاكي يا تيتا؟ هناك محدش بيحطلي حاجة في العصير..» طنط ماجدة بصتلي بصدمة وذهول مش مصدقة اللي بتسمعه: «تعيشي معايا لحد ما تزهقي يا قلب تيتا..» وطيت جنب نور، وربدت على رأسها: «أنتِ هتباتي في مكان أمان الليلة دي، ومحدش في الدنيا يقدر ياخدك في أي حتة من غير ما أكون معاكي.» بصت في عيني وبتسأل ببراءة تجرح القلب: «يعني أنت صدقتني يا بابا؟» السؤال ده دبحني من جوة.. اكتشفت إنها بقالها أسابيع عايشة في رعب، بتفكر هل كلامها والحقيقة كافيين عشان أصدقها ولا لأ. مسكت إيدها وقلت لها: «أنا مصدقك يا نور.. أنا آسف إن الملاحظة جت متأخرة، بس أنا مصدقك بجد.» على بالليل، رجعت البيت لوحدي. نيفين أول ما شافتني راجع من غير نور، وِشها ارتاح وحست إن خطتها ماشية تمام. وكانت مجهزة التمثيلية كويس أوي. طلعت موبايلها وفرجتني على ٣ فيديوهات متقاطعين متعدلين، ظاهر فيهم نور وهي بتصرخ، بترمي لعبها، بتعيط بهستيريا، وبتوقع كسر كباية على الأرض. قعدت جنبي وبتمثل الخوف والشفقة ببراعة: «إيهاب.. أنا مش قادرة أداري أكتر من كده، الوضع مش طبيعي خالص! نور محتاجة تتدخل مصحة علاج نفسي وسلوكي فوراً قبل ما تؤذي نفسها أو تؤذي حد!» مسكت نفسي بالعافية وقلت ببرود: «وحاجة زي دي ممكن تتكلف كام يعنى؟» وطت صوتها وقالت بلؤم: «يعني.. مصحة متخصصة زي دي هتكلف مبلغ وقدره، بس إحنا ممكن نستغل فيلا الساحل بتاعة سارة الله يرحمها.. نبيعها بسرعة ونستخدم الفلوس في علاجها.» وهنا، جابت سيرة شريف! قالت إنها تعرف شريف ده، وانه بيشتغل في العقارات ويقدر يخلص البيعة بسعر كويس أوي وفي أسرع وقت: «لو تحركنا بسرعة، ممكن نخلص كل الأوراق ونمضي عقود البيع قبل أخر الأسبوع الجاي!» : «شريف ده يفهم في العقارات كويس؟ يعني يقدر ينجزنا في أسرع وقت؟» عينين نيفين لمعت بشرر الفرحة، وقربت مني أكتر وقالت بصوت ناعم: «جداً يا إيهاب! ده راجل واصل وممكن يخلص أوراق البيع والتوكيلات في يومين.. المهم نور تتلحق وتدخل المكان المناسب عشان تخف ونستريح كلنا.» قلت لها وأنا ببتسم ابتسامة باهتة: «تمام.. ترتيب مظبوط. خليه يجهز الأوراق وييجي البيت بكرة بالليل، نتقابل ونمضي كل حاجة هنا في الصالون.» ليلتها، نيفين نامت وهي حاسة إنها خلاص حققت حلم حياتها وربحت الـ ٥٠ مليون جنيه، وأنا قضيت الليل كله مع طارق المحامي وحازم مهندس الكاميرات بنجهز الكمين. بلغنا النيابة العامة وقدمنا البلاغ الرسمي ومعانا التقرير الطبي بتاع مستشفى الأطفال اللي بيثبت تسميم طفلة بمادة مخدرة، بالإضافة لتسجيلات الفيديو وصور الكاميرات المخفية. تاني يوم بالليل، الساعة ٨:٠٠، الباب خبط. فتحت نيفين الباب وهي متألقة ومبتسمة، ودخل "شريف". كان لابس بدلة غالية، ومسك إيدي بكل بجاحة وقال: «ألف سلامة على بنتك يا أستاذ إيهاب.. وإن شاء الله الفيلا تتباع بسعر ممتاز ونلحق الأمورة في أسرع وقت.» قعدنا في الصالون، وشريف طلع العقود والتوكيلات من شنطته وحطها على الترابيزة، وقال: «بص يا فندم، التوكيل ده بيدي لنيفين هانم حق التصرف والبيع لفيلا الساحل، وبكده هي تقدر تخلص الإجراءات وأنت تفضل جنب بنتك وتتابع حالتها.» مسكت القلم وقعدت أبص في الورق، وفي اللحظة دي، نيفين بصت لشريف وابتسمت ابتسامة نصر كان فاكرين إن اللعبة خلصت. بصلتهم وقلت ببرود: «بس في حاجة صغيرة نسيتوا تحسبوها.» نيفين اتوترت وقالت: «حاجة إيه يا إيهاب؟ الملاحظات دي ممكن نعدلها بعدين، امضي بس عشان الوقت!» رميت القلم على الترابيزة وقفت: «أنا كلمت طنط ماجدة، وقالت لي إن فيلا الساحل محطوطة في الشاهر العقاري بشرط حراسة وأمانة، وما ينفعش تتتباع إلا بقرار من مجلس الحسبي وبموافقة الجدة.. يعني كل الورق اللي في إيدكم ده ما يسواش حبره!» شريف وشه اتخطف وقام وقف: «أنت بتقول إيه يا أستاذ؟ إحنا جايين نساعدك!» ضحكت بصرامة وطلعت موبايلي: «تساعدوني؟ ولا جايين تبيعوا ورث بنتي بعد ما سميتموها وقعدتم تدولها نقط مخدرة عشان تطلعوها مجنونة وتصوروها؟» نيفين اتجننت وقامت تصرخ: «أنت اتجننت يا إيهاب؟ أنت بتتهمني بإيه؟ البنت دي هي اللي مريضة وأنا اللي كنت بستحملها!» في اللحظة دي، الباب اتفتح بالكامل. دخل الأستاذ طارق المحامي، ومعاه قوة من الشرطة برئاسة ضابط مباحث وُيعاونوه اثنين من الأمناء. الضابط قرب بثبات وقال: «مدام نيفين.. وأستاذ شريف.. اتفضلوا معانا من غير شوشرة.» نيفين وشها بقى أصفر زي الليمونة ورجليها مكنتش شايلاها: «شرطة؟! شرطة ليه؟! إيهاب أنت أتجنيت؟ أنت بتصدق عيلة عندها ٦ سنين وتكذب مراتك؟!» طارق المحامي طلع ملف كبير وحطه قدام الضابط وقال: «سيادة الرائد، معانا تقرير طبي رسمي صادرة من مستشفى أطفال حكومي بيثبت وجود مادة سمية ومخدرة في دم الطفلة نور إيهاب، ومعانا فلاشة عليها فيديوهات مصورة من كاميرات البيت بتثبت إن المتهمة الأولى كانت بتحط المادة دي في العصير للطفلة، وفيديوهات تانية بتكشف اتفاقها مع المتهم الثاني على تزوير أوراق ونقل ملكية عقار بحيلة النصب والخداع.» شريف أول ما سمع كلمة "تسميم وتقارير طبية"، اترعب وفقد أعصابه وقال بجبن: «أنا ماليش دعوة يا باشا! هي اللي كلمتني وقالت لي إن جوزها عبيط وسهل يتضحك عليه وإن البنت كده كده مظلومة! هي اللي كانت بتشتري القطرة والمادة المخدرة وتديها للبنت عشان نسرق الفيلا!» نيفين صرخت فيه وضربته في صدره: «يا خاين يا ندل! أنت اللي خططت لكل حاجة وقلت لي الفلوس دي هتعيشنا ملكين في دبي!» الضابط كلبش إيديهم هما الاتنين فوراً وقال: «المواضيع دي تحكوها في النيابة بالتفصيل.. اتفضلوا معانا.» خرجت نيفين وشريف مقبوض عليهم قدام الجيران في العمارة، والخبر انتشر زي النار في الهشيم. بعدها بساعتين، كنت قاعد في بيت طنط ماجدة. البيت كان هادي، ونور كانت قاعدة في حضني، ماسكة إيدي بقوة ومش راضية تسيبها. بصتلي وقالت بصوت واطي: «بابا.. هي نيفين مش هترجع البيت تاني؟» نزلت لمستواها وبوست إيدها اللي كانت بتمشي في العصير، وقلت لها وعيني مليانة دموع: «عمرها ما هترجع تاني يا نور.. ولا هي ولا أي حد يقدر يؤذيكي أو يلمس منك شعرة طول ما أنا عايش. أنا آسف يا حبيبتي إن صدقت هدوءها في الأول، بس أوعدك إن من النهاردة مش هيدخل بيتنا غير اللي بيحبك بجد.» نور ابتسمت لأول مرة من أشهُر، حطت رأسها على صدري ونامت في أمان تام لأول مرة من 10 شهور. وبعد عدة أشهر، صدر الحكم على نيفين وشريف بالسجن المشدد بتهم شروع في قت..ل طفلة، والتسميم العمد، والشروع في النصب والتزوير. أما أنا، فاستقلت من سفريات الشغل الطويلة، وقررت أفرغ حياتي لبنتي، الفيلا بتاعة الساحل أجرناها وصرفنا عائدها في حساب استثماري باسم نور للمستقبل.. وعرفت إن أكبر درس اتعلمته في حياتي، هو إن الأبوة مش مجرد إنك توفر أكل وشرب وصرف، الأبوة هي إنك تكون الدرع الحامي لبنتك وتصدق عينيهم قبل كلام الناس!