حماتي كنت كل ما أعمل عزومة في بيتي، أكون حاسبة الأكل بالعدد بالظبط 10 أشخاص يعني أعمل أكل ل احتياطي. لكن حماتي كانت تستنى آخر لحظة، وتقول أنا عزمت كام حد من عندي، متقلقيش. وفي كل مرة ألاقي عدد الضيوف اتضاعف، وهي قاعدة تضحك وتقول إحنا أهل. لحد اليوم اللي عملت فيه عزومة كبيرة، واكتشفت إنها كانت بتعزم الناس مش علشان تفرح كانت بتختبر لحد فين هفضل أدفع وأسكت. من أول جوازي وأنا بحب العزومات. كنت بعتبر إن البيت اللي مليان ناس وضحك وبركة، بيت مريح. فكل ما يكون عندي مناسبة، أبدأ أجهز من بدري. أحسب عدد الناس. أشتري اللحمة والفراخ. أجهز الحلويات. وأرتب السفرة. لكن حماتي كان عندها عادة غريبة. تستنى لحد قبل العزومة بيوم وبعدين تقول على فكرة، عزمت كام حد من قرايبي. أقولها كام يعني؟ ترد بمنتهى البراءة مش كتير 10 أو 15. وأنا أصلًا عاملة الأكل ل شخص. أقول يا ماما، كنتِ قوليلي بدري. فتضحك هو إحنا غرب؟ هتزودي شوية مكرونة وسلطة. وأضطر أزود. مرة عملت عزومة ل شخص. فوجئت ب واحد على الباب. وقفت في المطبخ مش عارفة أعمل إيه. حماتي دخلت وهي مبتسمة وقالت معلش يا حبيبتي، أصل الناس بتحب أكلك. جوزي كان واقف جنبها. بصيتله. قلت إنت كنت عارف؟ قال ماما قالتلي. قلت ومقولتش ليه؟ رد ما هي حاجة بسيطة. الحاجة البسيطة دي كلفتني وقتها مبلغ كبير. لكن سكت. قلت يمكن مرة وتعدي. لكن الموضوع بقى عادة. كل عزومة ناس زيادة. وكل مرة أنا اللي أدفع. وفي مرة، عملت عزومة عائلية صغيرة علشان عيد ميلاد بنتي. حماتي عزمت جيرانها. وأصحاب أخت جوزي. وقرايب بعيدين عمري ما شوفتهم. ولما سألتها مين دول؟ قالت ناس غاليين عندي. وبعدين بصتلي وقالت هو إنتِ هتحسبي اللقمة؟ الكلمة وجعتني. لأني عمري ما حسبت لقمة على حد. لكن أنا كمان كان عندي ميزانية. وفي يوم، قررت أواجهها. قبل العزومة بأسبوع قلتلها يا ماما، أي حد هتعزميه بعد كده قوليلي الأول علشان أعرف أحسب الأكل. قالت حاضر. وافقت. لكن يوم العزومة جرس الباب رن. فتحت. لقيت 17 شخص زيادة. بصيت لحماتي. قالت مفاجأة! ضحكت. لكن أنا المرة دي ماضحكتش. دخلت المطبخ. وبدأت أجهز الأكل. لكن وأنا بفتح التلاجة، لقيت إن الأكل مش هيكفي. جوزي دخل ورايا. قال في إيه؟ قلت الأكل مش هيكفي. رد اعملي أي حاجة. بصيتله. وقلت لأ. اتصدم. يعني إيه لأ؟ قلت اللي اتعزم من غير إذني، اللي يعمله اللي عزمه. خرجت من المطبخ. ولأول مرة، حماتي شافتني قاعدة على السفرة زي أي ضيفة. وبدأت هي تتحرك. لكن بعد شوية، قربت مني وقالت بغضب إنتِ بتفضحيني قدام الناس؟ رديت بهدوء أنا مش بفضحك أنا بس بطلت أدفع تمن عزومات مش بتاعتي. جوزي تدخل خلاص يا جماعة، نجيب أكل من بره. بصيتله وقلت من فلوس مين؟ سكت. حماتي قالت من فلوس البيت طبعًا. ابتسمت وقلت يبقى من فلوسنا إحنا الاتنين، مش من فلوسي لوحدي. لأول مرة، محدش عرف يرد. لكن بعد ما الضيوف مشيوا، جوزي دخل عليا وقال ماما زعلانة منك جدًا. قلت وأنا زعلانة من سنين. وبعدين حطيت قدامه كشف المصاريف. وقلت أنا حسبت كل عزومة عملناها خلال السنتين اللي فاتوا. بص للورق. وشه اتغير. قلت عارف المبلغ كام؟ هز راسه. قلت أكتر من تمن فرش بيتنا كله والأغرب إن أغلب الناس اللي كانت بتتعزم، أنا أصلًا معرفهمش. سكت ثواني. وبعدين رفع عينه وقال إنتِ بتقولي إن ماما كانت بتعمل كده عمد؟ قبل ما أرد وصلته رسالة على موبايله. كانت من حماتي. والرسالة كانت قصيرة جدًا المرة الجاية لازم نعزم عدد أكبر عايزة أعرف هي هتقدر تستحمل لحد فين. الرسالة وقعت بين يديه كالصاعقة. قرأها مرتين، ثم رفع عينيه ونظر إليّ، وعيناه اتسعتا من الصدمة، وكأنه لأول مرة يراها حقًا. لم أتكلم. لم أقل ألم أقل لك؟ أو أي كلمة من شأنها أن تزيد شعوره بالخزي. فقط وقفت أمامه بصمت، وأنا أنتظر ما سيقوله، لأن الكلام الآن لم يعد يُجدي نفعًا. الحقيقة وصلت إليه بنفسها، من اليد التي كان يظنها أكثر الأيادي رحمةً وشفقةً. قال بصوت خافت، وكأنه لا يصدق ما تقرأه عيناه هي هي كانت بتختبرك؟ كل ده كان اختبار؟ قلت بهدوء، وأنا أشير إلى الأوراق الممتدة أمامه على الطاولة كل مرة كانت بتعزم ناس زيادة من غير ما تقولي كل مرة كنت بدفع وأصبر وأتحمل كل ده كان عشان تشوف لحد فين أنا هاسكت وأدفع وأقول حاضر. كانت بتقيس صبري زي ما بيقيسوا الماء في النهر شوية شوية، عشان تعرف متى يفيض. سكت طويلاً. أخذ يمرر يده على شعره باضطراب، ثم ترك يده تسقط بجانبه ونظر إلى الأرض. وأنا وأنا كنت أصدقها. كنت أقول دي أمي بتخاف من الحرج، وناسها كتير، وهي مش عارفة تحسب. ما توقعتش أبدًا إنها تقصد كل ده. وأنا كمان ما توقعتش في الأول. صدقتها مرّة ومرتين وعشرة. لحد ما عرفت إن اللي بيتعلم من التجربة ذكي، واللي بيتغافل مرّة تانية مغبون. هي مش كانت بتعزم ناس علشان فرحة أو بركة كانت بتعزمنهم عشان تثبت نفسها، وتثبت إنك لسه تبعها، وإن بيتي ده مش ملكي، وإن فلوسي مش ملكي، وإن كلمتها فوق كلمتي. كانت بتجربني عشان تعرف تقدر تسيطر عليا ولا لأ. رفع رأسه ونظر إليّ، وفي عينيه لوم على نفسه أكثر منه على غيري وكل ده وأنا واقف متفرج بل وموافق. كنت أقول لك حاجة بسيطة، ما تكبريش الموضوع. ما شفتش إن البسيط لما بيتكرر بيبقى عادة، ولما بيبقى عادة بيبقى حق مكتسب في عين اللي بيتعوّد. بالظبط. هي كانت عايزة تثبتلي إن أنا أقدر أفعل اللي عايزاه، ومحدش يقدر يقولي لياء. وكل ما كنت أسكت، كانت بتأكد من نفسها شفتي؟ لسه بتخضع. لسه بتدفع. لسه ما لها صوت. الرسالة دي ما كانتش ليا كانت ليك أنت الأول. هي بتقولك شوف، أنا اللي أقدر أتحكم في بيتك وفي مراتك وفي فلوسكم. وأنت واقف متفرج. سكتنا معًا. الصمت امتد في الغرفة كغطاء ثقيل. لم يكن بيننا غضب الآن كان شيء أعمق وأوجع. كان اكتشافًا مؤلمًا لطبيعة علاقتنا جميعًا. بعد فترة، قال بصوت ثقيل والمرة الجاية هي قالت لازم نعزم عدد أكبر. يعني هي مش هتتوقف. بالظبط. هي شافت إن يوم العزومة الأخيرة أنا قلت لأ. فعرفت إن الصبر نفد. فقررت تزيد الضغط عشان أتراجع. عشان تقول لي إما ترجعي وتدفعي وتسكتي، أو أفضحك وأقول إنك بخيلة وقليلة الأصل. وإنتِ شايفة إني أعمل إيه؟ نظرت إليه مباشرة في عينيه وقلت بكل وضوح اللي تعرفه. لكن اعرف حاجة واحدة أنا مش هخسر بيتي وراحتي وكرامتي عشان أي حد. إما نحل المشكلة معًا، أو كل واحد يروح في طريقه. لأن الحياة مش تضحية من طرف واحد واستغلال من طرف تاني. أنا قبل ما أكون مراتك، أنا إنسانة ليا كرامة وليا حدود. واللي بيحط حد لكرامتي مش هيكون لي مكان عنده. كان الكلام قاسيًا. لكنه كان الحقيقة. رآني جادةً لم يتراجع نظره. أمسك بيدي، وقال بصوت حازم لأول مرة منذ زمن طويل أنا معكِ. هذه المرة لن أكون في صف أحد غيركِ. سأواجهها بنفسي. سأخبرها أن هذا بيتنا، وأن لدينا حدودًا لا يمكن تجاوزها. ولن أسمح لأي شخص بأن يختبر صبركِ أو يُجهدكِ هكذا. مش قولتلك من قبل؟ قلتلك كلمها. وكنت تكلّمها بكل لطف، فتقول لك أنا أمك، وأنت بتعاملني كده؟ وتبكي وتشتكي وتقول إننا نجمع عليها. فترجع وتقول لي خلاص، اصبر عليها. أنا صبرت بما يكفي. هذه المرة الكلام لازم يكون واضحًا وصريحًا، من غير لف ولا دوران. سأفعل. لمحة نيوز أعدكِ بذلك. مر أسبوع. لم تتصل حماتي. لم ترسل رسالة. كأنها كانت تنتظر لترى ماذا سيفعل ابنها. هل سيكون في صفها أم في صفّي؟ وبعد أسبوع، جاءتنا اتصال. كانت نبرتها حازمة، لا لبس فيها العزومة الجاية يوم الجمعة. عزمتُ الناس. وأريد كل شيء يكون جاهزًا كما ينبغي. لم تقل من فضلك ولا هل يناسبك؟. قالتها كأمر مفروغ منه. رد عليها ابنها بكل هدوء يا أمي، قبل كل شيء كم شخص عزمتِ؟ ما يهمك. المهم يكون الأكل كافيًا. المهم أنا أعرف العدد. لأن هذا بيت زوجتي، ولها حق المعرفة. ومن حقها أن تقبل أو ترفض. صمتت حماتي للحظة، ثم قالت بصوت حاد يعني هي اللي بتمشي الكلام في بيتك؟ لا، بل نحن نتفق معًا. وهذا حقها. وأنتِ تعلمين أننا تحملنا تكاليف باهظة في المرات السابقة. ولم نعد نستطيع تحمّل المزيد دون ترتيب مسبق واتفاق. يا سلام! أصبحتِم لا تستطيعون؟ من يوم ما تزوجتها وأنتَ تغيرت عليّ. هي اللي ملأت رأسك عليّ. لم يملأ أحد رأسي يا أمي. أنا أرى بعينيّ. لقد أرسلتِ لي رسالة الأسبوع الماضي. قلتِ فيها المرة الجاية لازم نعزم عدد أكبر عايزة أعرف هي هتقدر تستحمل لحد فين. سكتت. تجمعت الكلمات في حلقها. لم تتوقع أن ابنها سيقرأ الرسالة لي، ولم تتوقع أن يواجهها بها. حاولت أن تتنصل أنا أنا كنت أمزح معك. تمزح؟ وتقولين لي نختبرها؟ أهذا اختبار؟ اختبار لصبرها ومالها وجهدها؟ أهذا فعل أم تريد الخير لابنها ولزوجته؟ أنا أردت أن أعرف إن كانت صالحة لكِ تتحمل وتصبر أمي! المرأة تُختبر بالمعروف والاحترام، لا بأن نُثقل كاهلها بما لا تطيق ثم ننظر هل تصمد أم لا! ألم يكفِها أنها تتحمل وتصبر وتكرم وتحسن؟ ألم يكفِها أنها لم تُقابلكِ بسوء قط؟ إذاً هي اشتكت لي؟ لم تشتكِ. هي صمتت طويلاً. أنا الذي رأيتُ الحقيقة بنفسي. والآن أقول لكِ بوضوح يوم الجمعة لن تكون هناك عزومة بهذا الأسلوب. إذا أردتِ أن نعزم أشخاصًا، فالعدد يُحدد مسبقًا، والتكاليف يُعلن عنها، والاتفاق يكون بيننا جميعًا. ومن يُعزم دون اتفاق فهو من يُكلف ويُجهز. غضبت حماتي وصرخت إذًا تختارها أنا وتتركني؟ أنا لا أختار أحدًا ضد أحد. أنا أختار الحق والعدالة. أنا ابنكِ وأنتِ أمي، ولن أقطع صلتكِ بي أبدًا. لكن هذه زوجتي، ولها عليّ حق العدل والمساواة والاحترام. ولن أظلمها لأجلكِ أنتِ ولا لأجل أي شخص آخر. حسنًا إذا هكذا يكون الحال فلا تنتظروني عندكم. سآتي بنفسي وأخبر الناس أنكم رفضتم استضافتهم. وسأقول لهم إن زوجة ابنك بخيلة لا تريد إكرام الضيوف. افعلي ما تشائين. لكن الحقيقة ستبقى معروفة. ومن يعرفكم سيعرف من المخطئ ومن المظلوم. ونحن سنقول الحقيقة ولن نخشى شيئًا. أغلقت الهاتف في وجهه. وقف مكانها متأثرًا. نظرت إليّ ولم أتكلم. اقترب وقال بصوت متعب لقد فعلتِ ما اتفقنا عليه. وهي غاضبة جدًا. قلت بهدوء الغضب مش بيستمر. الحق بيستمر. لو رضيناها اليوم، هتطمع في الغد. ولن ننتهي أبدًا. أعلم ذلك. لكنني أخشى أن تُشوّه سمعتكِ بين الناس. من يعرفني لن يصدق عليها. ومن يصدقها دون أن يسألني فلا يهمني رأيه. الكرامة أغلى من السمعة عند من لا يعرفوننا. مرت الأيام. ولم تأتِ حماتي يوم الجمعة. ولم تتصل بنا. لكننا علمنا من أحد الأقارب أنها ذهبت إلى بيت ابنتها، وبدأت تروي لكل من تلقاه أنني بخيلة ومتسلطة وأخذت ابنها منها وغيّرته عليه. وانتشر الكلام في العائلة. بعضهم صدّقها وبعضهم شكّ وبعضهم سكت وانتظر ليرى الحقيقة بنفسه. شعر ببعض الحرج، وقلبي تألم من أجله. لكنني كنت أعلم أن التراجع الآن يعني الهزيمة إلى الأبد. قلت له الصدق زيت مهما ضغطت عليه يطفو على السطح. اصبر ولا تقلق. وكان له موقف عجيب. بدأ يذهب إليها بمفرده أحيانًا، ويجلس معها ويحاورها بهدوء وحكمة. لا يصرخ ولا يُهين، بل يقول لها يا أمي، أنا ابنكِ. أريدكِ أن تكوني سعيدة. لكن سعادتكِ لا يجب أن تكون على حساب سعادة زوجتي وكرامتها. إنها إنسانة لها حق الاحترام مثلكِ تمامًا. وإذا أردتِ أن نكون سعداء معًا، فعلينا أن نحترم حدود بعضنا البعض. كانت ترفض في البداية وتغضب وتطرده. لكنه كان يعود مرّة أخرى. بصبر وهدوء وثبات. لم يقطع صلتها بها، ولم يُعنّفها، ولم يُخبر أحدًا بما فعلته أو بما قالته. حافظ على صورتها أمام الناس، ولم يُفشِ سرّ بيتنا. وهذا الأمر بدأ يُؤثر فيها شيئًا فشيئًا. فهي ترى ابنها بارًا بها، محسنًا إليها، لا يقطعها ولا يُسيء إليها ومع ذلك فهو ثابت لا يتزحزح فيما اتفق عليه مع زوجته. لم يكن ضعيفًا بل كان حازمًا ورحيمًا في آن واحد. وفي هذه الأثناء، اكتشفت شيئًا آخر لم أتوقعه. علمت أن حماتي لم تكن تُعزم الناس فقط لكي تختبر صبري بل كانت تُعزمهم أحيانًا لكي تُظهر لهم أنها صاحبة الكلمة العليا في بيت ابنها. كانت تريد أن يقول الناس يا سلام، ابنها يُطيعها في كل شيء، حتى في العزومات والتكاليف. كانت تبني مجدًا زائفًا على حساب راحتي ومالي. وكلما رأت أنني أُطيع وأدفع، ازدادت فخرًا وغرورًا. ولما توقفت، شعرت بمجدها ينهار فغضبت وثارت. علمتُ أيضًا أن زوجها والد زوجي كان يعاملها بهذه الطريقة تمامًا. كانت هي التي تُعزم وتُنفق وتأمر وتنهي، وكان هو يصمت ويُطيع. فظنّت أن كل زوج يجب أن يكون كذلك، وأن كل زوجة يجب أن تقبل وتصمت. لم تكن شريرة بطبعها بقدر ما كانت تُقلّد ما تعوّدت عليه، وتظن أن هذا هو حقها كأم وكزوجة. ولهذا حين واجهناها بالحقيقة، صُدمت لأن أحدًا لم يقل لها لا من قبل. مر شهر. ولم يحدث تقارب. الكلام السيء عني استمر في بعض الدوائر. وذات يوم، كنت في زيارة لطبيب، فوجدتُ ابنة خال زوجي هناك. كانت من الذين صدّقوا حماتي وتجنّبوني. نظرت إليّ باحتقار وكادت تمرّ من جانبي دون أن تسلم. لكنني بادرتها بابتسامة لطيفة وسلمتُ عليها. ترددت ثم ردت السلام ببرود. بعد فترة، علمتُ أن ابنة الخال تلك كانت تمر بضائقة مالية صعبة، وأن زوجها تعرض لأزمة في عمله. لم أتردد. أرسلتُ لها المبلغ الذي تحتاجه دون أن أذكر اسمي، عبر قريبة مشتركة. قلت لها هذا من عند خالتكِ التي تحبكِ وتتمنى لكِ الخير. لم أرد أن أُعيرها أردت فقط أن أُثبت لها أنني لستُ تلك البخيلة الشريرة التي تُحدثها حماتي عنها. بعد أيام، اتصلت بي ابنة الخال. كانت تبكي. قالت علمت أنكِ أنتِ من ساعدتني. سامحيني لقد كنتُ أتكلم عنكِ بسوء بناءً على ما سمعته. وأنتِ أكرمتِني وأحسنتِ إليّ. قلتُ لها بكل لطف لا يهمّكِ شيء. كلنا نسمع ونخطئ. المهم أن القلوب تكون صافية. وأنا لم أفعل هذا لأجعلِكِ في صفّي بل فعلته لأنكِ أهل للخير. لكنها كانت تكذب عليّ تقول إنكِ تمنعين ابنها منها وتُسيئين إليها وكل ذلك غير صحيح. لكل شخص وجهة نظره. وما حدث بيننا هو أمور بسيطة كبّرتها الأيام. وأنا ما زلتُ أتمنى لها الخير. سأذهب إليها وأخبرها الحقيقة وسأطلب منها أن تكفّ عن الكلام عنكِ بهذه الطريقة. أرجوكم لا تفعلوا. لا تُشعلوا نارًا جديدة. الزمن كفيل بتبيين الحقيقة. يكفي أنكِ عرفتِ الآن قلبي. وبالفعل، ذهبت ابنة الخال إليها. لم تُخاصمها ولم تُعاتبها بل أخبرتها بما فعلتهُ لها، وبأنني لستُ كما تصفني. وبأنني كريمة وأخلاقي عالية. وبأنني لم أتكلم عنها بسوء قطّ. هذا الكلام هزّ حماتي. لم تتوقع أنني سأكون بهذا القدر من النبل والكرم مع من تكلّم عني بسوء. بدأت تراجع نفسها. بدأت تتذكر أنني طوال الفترة الماضية لم أردّ الإساءة بالإساءة، ولم أُفشِ سرّ بيتنا، ولم أتكلم عنها أمام أحد. وأنني كنتُ أخدمها وأكرمها حين تأتي إلينا. وأن كل ما طلبتهُ هو العدل والاحترام لا أكثر. وذات يوم، وبعد مرور أكثر من شهر ونصف، سمعنا صوت جرس الباب. حين فتحناه، وجدناها واقفةً عند الباب. وجهها شاحب، وعيناها حمراوين. لم تحمل معها شيئًا. وقفت وتنظر إلينا بصمت. بادرها زوجي بكل حفاوة يا أمي تفضلي بالدخول. دخلت. جلست في الصالة. لم أتكلم. قدمتُ لها كوبًا من الشاي كما أحبّه. نظرت إليّ طويلاً. ثم قالت بصوت خافت متقطع جئتُ جئتُ لأقول شيئًا وأرجو أن تسامحاني. سكتت للحظة، ثم استطردت لقد علمتُ كل شيء. علمتُ بما فعلتِهِ مع ابنة خالكِ. وعلمتُ أنكِ لم تتكلمي عني بسوء قطّ. وأنكِ لم تُخبر أحدًا بما حدث. وعلمتُ أنني كنتُ مخطئة بل ومخطئة جدًا. دمعت عيناها. مسحت دموعها واستمرت لقد نشأتُ على أن المرأة يجب أن تصمت وتُطيع وتتحمل. وعشتُ هكذا طوال حياتي. فظننتُ أنكِ أنتِ الأخرى يجب أن تكوني هكذا. واختبرتُكِ وقلّبتُ عليكِ وأردتُ أن أخضعكِ ظنًا مني أن هذا هو الحق. ولم أدرِ أن الحق هو العدل وأن من حقكِ أن يكون لكِ صوتٌ ورأيٌ وكرامة. نظرت إليّ مباشرة وقالت بدموع صادقة سامحيني يا بنيتي. لقد أخطأتُ في حقكِ كثيرًا. وكنتِ أهلاً للخير فأسأتُ إليكِ. وها أنا أعترف بذنبي. فهل تسامحينني؟ لم أتردد. اقتربتُ منها وأمسكتُ بيدها وقلبِي يرتجف من العاطفة يا أمي أنا بنتكِ. والبنت تسامح أمها مهما فعلتِ. ما كان بيننا سوى سوء فهم وتربية قديمة. والآن كل شيء أصبح واضحًا. أنا أحبكِ وأريدكِ أن تكوني معنا بكل ودّ واحترام. من دون اختبارات ومن دون تكاليف تُثقل كاهل أحد. نحن عائلة واحدة نُعزّ بعضنا ونُكرم بعضنا ولا نُحمّل بعضنا ما لا نطيق. احتضنتني وبكت. وبكيتُ معها. وبكى زوجي من ورائنا متأثرًا. لقد انكسرت الحواجز. لم يكن انتصارًا لي عليها بل كان انتصارًا للحق والعدل والمحبة على الغرور والقدرة والاستغلال. جلست معنا طويلاً. تكلمنا بكل صراحة ووضوح. اتفقنا على أمور بسيطة لكنها كانت أساس كل مشكلة أي عزومة أو دعوة يجب أن تُعرف مسبقًا، ويُحدد العدد والتكلفة باتفاق الجميع. من يدعو يتحمل مسؤولية دعوته إما بأن يُشارك في التكلفة أو يُجهز ما يلزم. المال في بيتنا مشترك يُنفق باتفاق ولا يُفرض على أحد شيء لا يريده. الاحترام المتبادل هو أساس كل علاقة ولا يُختبر أحد أحدًا لأن المحبة لا تُبنى على الاختبار بل على الثقة. ووافقت حماتي بكل رحابة صدر. بل وقالت ليتني فهمتُ هذا من قبل. لكانت حياتنا أجمل وأسعد. قلتُ لها بابتسامة ما زال الأمل موجودًا. وما زال بيتنا مفتوحًا لكِ بكل محبة. والغد بإذنٍ الله أجمل. ومضت الأيام وتحولت السنوات. وتغيرت أمور كثيرة. أصبحت حماتي تُشاورني قبل كل شيء. وتقول لي يا بنيتي، أريد أن أعزم فلان هل الوقت مناسب؟ وهل التكلفة مناسبة؟. وكنتُ أقول لها رأيي بكل صدق ومحبة. فإذا وافقتُ فرحنا معًا وإذا اعتذرتُ أوضحتُ لها السبب بكل لطفٍ وودّ. فتفهم وتقبل بكل رحابة صدر. وذات يوم، ونحن نجهز عزومة عائلية صغيرة، قالت لي حماتي وهي تساعدني في ترتيب الطاولة أتعلمين يا بنيتي؟ لقد كان ذلك الاختبار في الحقيقة اختبارًا لي أنا ليس لكِ. نظرتُ إليها بدهشة فاستطردت بابتسامة هادئة نعم. لقد اختبرتُكِ فصبرتِ وأحسنتِ. واختبرني الله بكِ فثبّتني على خطئي ثم أرشدني إلى الحق. فكان الخير كلّه في أن تعرفتِ إليّ حقًا وعرفتُكِ حقًا. ولو كنتِ استسلمتِ لي وصمتِ كما كنتُ أريد لظللنا نعيش في وهمٍ وخطأ. قلتُ لها وأنا أبتسم وأمسك بيدها وما أجمل أن نخرج من الوهم إلى الحقيقة ومن الخطأ إلى الصواب ومن البعد إلى المحبة. صدقتِ. العزومة ليست بكثرة من نُعزم بل بمن نُحب ونُكرم ونُبقيهم في قلوبنا. والبيت لا يُبنى بالمال وحده بل يُبنى بالعدل والصدق والاحترام. وبينما نحن نتحدث، دخل زوجي وسمع كلماتها. نظر إليّ ثم إليها، وقال بابتسامة دافئة الآن فقط اكتملت السعادة. حين يتحد القلبان على الخير. وضعت يدي في يدها ووضعت حماتي يدها فوقهما. واتفقنا بصمتٍ لا كلام فيه أن البيت الذي يُقام على العدل لا يُهدم والمحبة التي تُبني على الاحترام لا تموت وأن الصبر وإن طال فإن نهايته دائمًا فرجٌ وصلاح. وظل بيتنا عامرًا بالناس والضحك والبركة لكنه لم يعد عامرًا بالأعباء والاختبارات والاستغلال. كنا نعزم من نحب ونُكرم من يأتي إلينا بقلوبٍ صافيةٍ ومبالغٍ نُقدر عليها لا نُثقل كاهل أنفسنا بما لا نطيق ولا نُجبر أحدًا على ما لا يريد. وهكذا عرفتُ أن العزومة الحقيقية ليست كثرة الطعام ولا كثرة الناس بل هي دعوةٌ تدخل بها المحبة القلوب وتُصلح بها ما انقطع وتُبني بها ما هو باقٍ وثابتٍ لا يزول بزوال الأيام. وظلت تلك العبارة التي قالتها لي حماتي في آخر لقائنا قبل الصلح ترنّ في أذنيّ وتُعلمّني درسًا لن أنساه ما حييت لقد كان الاختبار لي لا لكِ. فكم من مرّة نُعامِل الناس بمنطق الاختبار والامتحان وننسى أننا نحن من نُمتحَن بسلوكنا ومعاملتنا لهم. وأن الله سبحانه وتعالى يُجري الخير على أيدي الصابرين الصادقين وإن طال الزمن وبدا الأمر مستحيلاً.