بعد سنة كاملة من طلاقهم، قابلها طليقها في ممر المستشفى، ووقف قدامها بكل غرور وهو بيقول إنه بقى عنده ابن عمره سنة من صاحبتها المقربة السابقة. بعد خمس دقايق بس، دخل راجل من باب المستشفى، سمر وقعت منها الببرونة، والانتصار اللي كريم كان فاكر إنه حققه... بدأ ينهار قدام الكل. كريم واقف في قسم الأطفال في المستشفى، كأنه صاحب المكان. إيد على شنطة حفاضات غالية، ورجله جنب عربية البيبي، وعلى وشه نفس الابتسامة المستفزة اللي بتقول إنه عاش السنة اللي فاتت كلها وهو مقتنع إنه كسب. وبجانبه كانت سمر... البنت اللي كانت في يوم من الأيام أقرب صاحبة ل الدكتورة كريمة. كانت تقعد معاها بالساعات، تمسك إيدها وتقولها إنها تستحق الأحسن... وفي نفس الوقت كانت هي السبب الحقيقي في خراب جوازها من ورا ضهرها. الطفل اللي نايم في العربية كان بيمد إيده ناحية لعبة زرافة صغيرة، ولا عنده أي فكرة إن الكبار اللي واقفين حواليه بعد شوية هيحولوا ممر المستشفى لمحكمة من غير قاضي. الدكتورة كريمة كانت لسه لابسة البالطو الأبيض، وكارنيه الشغل مكتوب عليه د. كريمة السعيد. وفي إيديها التابلت اللي عليه ملفات المرضى. كان باقي 12 دقيقة على اجتماع مهم، وللحظة فكرت تعدي من جنبهم وكأنها مشافتهمش. لكن كريم لمحها. قال بصوت عالي خلا الممرضات يبصوا ياااه... شوفي مين هنا! ناس كتير لفتت تبص. سمر مسكت الببرونة بإيد مرتعشة، لكن كريمة وقفت بكل هدوء وقالت أهلاً يا كريم. ملامحه اتغيرت أول ما لقى صوتها ثابت ومفيهوش أي انكسار. طول جوازهم، كان بيعشق يشوفها وهي بتنهار، وبعدها يستخدم دموعها ضدها ويقول إنها عصبية ومستحيل تتفاهم. قال بسخرية لسه الشغل أهم من أي حاجة؟ ردت بهدوء بحب شغلي. ابتسامته وسعت وهو قرب من عربية الطفل، متأكد إنها شايفة البيبي والبطانية والصورة العائلية اللي كان فاكر إنها هتكسرها. وبعدين قال الجملة اللي واضح إنه حافظها بقاله شهور أحسن قرار أخدته في حياتي... إني طلقتك. سمر همست كريم... بلاش. لكنه تجاهلها وقال بصوت أعلى واحدة مش بتخلف... متستغربش لما جوزها يروح يعمل عيلة بجد. الممر كله سكت. سبع سنين من التحاليل، والحقن، وكشوفات الدكاترة، والسفر بين العيادات... عدوا قدام عين كريمة في ثانية. سنين كانت بتلوم نفسها فيها، ومقتنعة إن وجعهم هو اللي بوظ علاقتهم. دلوقتي بس فهمت إن القسوة كانت ساكنة معاها في نفس البيت. كريم بص ناحية الطفل بفخر وقال أنا محظوظ... عندي ابن عنده سنة من صاحبتك. الببرونة في إيد سمر بدأت تترعش. كريمة بصت للطفل الأول... لأنه مالوش ذنب في أي حاجة. وبعدها بصت لسمر، وكانت متوقعة تشوف شماتة أو إحساس بالنصر... لكنها شافت خوف. وأخيرًا رجعت بصت لكريم. هو كان مستنيها تنهار. لكنها ابتسمت. وقالت بجد؟ اتلخبط وقال إيه معنى الابتسامة دي؟ قالت ولا أي حاجة. موبايلها رن جوه البالطو، لكنها تجاهلته، بينما كريم قرب منها أكتر وقال بعصبية لا... قولي. ما انتي طول عمرك كان عندك رد. ردت وهي محافظة على هدوئها على حد علمي... إنت اللي كنت بتتكلم طول الوقت. واحدة من الممرضات كتمت ضحكة، ووش كريم قلب. في اللحظة دي... باب الأسانسير اتفتح. نزل منه راجل طويل لابس بدلة كحلي، وفي إيده ظرف طبي مقفول. أول ما سمر شافته... وشها اصفر. والببرونة وقعت من إيديها واتكسرت على الأرض. كريم بصلها باستغراب وقال مالك؟ الراجل وقف جنب الدكتورة كريمة، بص للطفل اللي في العربية، وقال يا دكتورة كريمة... نتيجة تحليل ال اتأكدت. ابتسامة كريم... اختفت تمامًا. الراجل مدّ الظرف ناحية الدكتورة كريمة، لكنه ما فتحوش. قال بصوت هادي راجعت النتيجة بنفسي مرتين... ومفيش أي نسبة خطأ. كريم اتجمد مكانه. بص بين الراجل وكريمة وقال باستفزاز هو إيه اللي بيحصل؟ تحليل DNA لمين أصلًا؟ كريمة أخدت الظرف من غير ما تفتحه. وقالت فيه وقت هتعرف. رد بعصبية لأ... هعرف دلوقتي. لكن الراجل بصله وقال بجدية النتيجة تخص ملف قانوني، ومش من حقي أعلن أي تفاصيل قدام حد. أول مرة كريم يحس إنه مش المتحكم في الكلام. لف ناحية سمر، لقاها منزلة عينيها في الأرض، وبتضم الطفل لحضنها بقوة. همس إنتِ مخبية إيه؟ سمر هزت راسها بسرعة. مفيش. لكن صوتها كان بيرتعش بطريقة فضحتها. في اللحظة دي، خرجت ممرضة من أوضة الكشف وهي بتنادي دكتورة كريمة... الأستاذ فؤاد وصل ومعاه الملف القديم. أول ما اسم الملف القديم اتقال... سمر شهقت. وكريم لاحظ ده. قال وهو بيبصلها هو إيه الملف ده؟ محدش رد. كريمة استأذنت بهدوء ودخلت غرفة الاجتماعات وهي ماسكة الظرف. وقبل ما الباب يتقفل، قالت جملة واحدة فيه حقايق بتاخد سنة كاملة علشان تظهر. الباب اتقفل. كريم فضل واقف في الممر، والغضب بياكل فيه. بص لسمر وقال بحدة إنتِ تعرفي إيه عن تحليل ال؟ سمر سكتت. اتكلمي. دموعها بدأت تنزل. وقالت بصوت مكسور أنا... كنت فاكرة إن الموضوع انتهى. موضوع إيه؟ قبل ما ترد... وصل راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وماسك شنطة جلد قديمة. أول ما شاف كريمة خارجة من الاجتماع، مد لها ملف أصفر باهت وقال لقيته بعد سنة كاملة... كان محفوظ بالغلط في أرشيف المستشفى. كريمة فتحت الملف بسرعة. وأول ورقة ظهرت قدامها كانت تقرير طبي بتاريخ قبل طلاقها من كريم بثلاثة أسابيع. تقرير عمره سنة وشهر. قرأت أول سطر... فاتسعت عيناها. ولأول مرة من بداية المواجهة، اختفى هدوؤها لثوانٍ. همست لنفسها يبقى... الحقيقة كانت موجودة من البداية. كريم لمح رد فعلها، فحاول يخطف الملف من إيدها. لكنها رجعته لورا بسرعة. وقالت بحزم مش دلوقتي. في نفس اللحظة، سمعوا صوت موظفة الاستقبال بتنادي من آخر الممر أستاذ كريم... فيه شخص مستني حضرتك من ساعة، وقال لازم يقابلك قبل ما تمشي. كريم استغرب. مين؟ الموظفة ردت قال إن معاه مستندات لو شفتها... حياتك كلها هتتغير. وتبادل الجميع نظرات صامتة... بينما الشخص المجهول بدأ يقترب بخطوات ثابتة، حاملًا حقيبة سوداء لم يلمسها أحد منذ عام كامل...الرجل وقف قدام كريم، وحط الحقيبة السودا على الكرسي اللي جنب الحيطة. قال بهدوء غريب قبل ما تفتح بوقك أو تتهم أي حد... اسمع للآخر. كريم ضحك بسخرية. حضرتك مين أصلًا؟ رد الراجل وهو طالع بطاقة تعريف من جيبه أنا المستشار القانوني اللي كان مسؤول عن حفظ بعض المستندات المتعلقة بملف الطلاق. وش كريم اتغير. أما كريمة ففضلت ساكتة، وكأنها كانت متوقعة ظهوره. فتح الراجل الحقيبة، وطلع منها ظرفين. واحد مكتوب عليه لا يُفتح إلا بحضور الطرفين. والتاني مكتوب عليه تقرير معمل الوراثة. كريم مد إيده بسرعة. هات. لكن الراجل رجع الظرف لورا وقال مش من حقك تفتحه لوحدك. سمر كانت واقفة بتحاول تهدي الطفل، لكن إيديها كانت بتترعش بشكل واضح. كريمة بصتلها وقالت بهدوء إنتِ عارفة ليه النتيجة دي مهمة؟ سمر سكتت. جاوبي. بعد ثواني طويلة... قالت بصوت مخنوق لأني... أنا اللي طلبت إعادة التحليل. كريم لف لها بسرعة. إعادة تحليل إيه؟! سمر بدأت تبكي. لما اتولد ابني... المستشفى طلبت تحليل روتيني بسبب تشابه في بعض البيانات، وقتها ظهرت ملاحظة خلت الدكتور يطلب مراجعة الملف القديم. الممر كله بقى ساكت. كريم حس إن الأرض بدأت تهتز تحت رجليه. ملف قديم إيه؟! رد المستشار ملف متعلق بالفحوصات اللي اتعملت قبل الطلاق مباشرة. كريم انفعل. وأنا مالي؟ المستشار فتح الملف الأصفر، وسحب منه نسخة مختومة. وقال وقت طلاقك من الدكتورة كريمة، كان فيه تقرير مهم ما وصلش لأي واحد فيكم بسبب خطأ إداري في الأرشيف. كريمة غمضت عينيها للحظة. واضح إنها كانت بتقاوم مشاعر سنين كاملة. أما كريم فابتدى يفقد أعصابه. قول التقرير بيقول إيه! المستشار هز رأسه. مش هنا. ليه؟ لأن المحكمة طلبت إن أي مستند يخص الملف يُسلَّم للطرفين معًا بعد استكمال باقي الإجراءات. في اللحظة دي... رن تليفون كريمة. بصت للشاشة، واتغيرت ملامحها. المتصل كان مكتوب اسمه معمل الوراثة المركزي. ردت بسرعة. فضلت تسمع من غير ما تتكلم. وبعدين قالت جملة واحدة خلت سمر تسند نفسها على الحيطة يعني... لقيتوا العينة الأصلية؟ ... وساد صمت ثقيل في الممر. أما كريم، فبدأ لأول مرة يسأل نفسه إذا كانت العينة الأصلية ظهرت الآن... فما هي الحقيقة التي ظل الجميع يبني حياته عليها طوال سنة كاملة؟موظفة المعمل كانت بتتكلم من الطرف التاني، وكريمة كانت مركزة في كل كلمة. تمام... احتفظوا بيها زي ما هي. محدش يلمسها لحد ما أوصل. قفلت المكالمة، وحطت الموبايل في جيب البالطو. كريم قرب منها خطوة. وقال بنبرة امتزج فيها الغضب بالخوف أنا مش هسيب المكان غير لما أفهم. كريمة بصتله بهدوء. وهتفهم... لكن بالطريقة الصح. في اللحظة دي، خرج مدير المعمل بنفسه من المصعد، وكان شايل صندوقًا صغيرًا محكم الغلق عليه شريط أحمر، ومكتوب عليه عينات محفوظة لا تُفتح إلا بمحضر رسمي. أول ما شافته كريمة، قالت هو ده؟ هز رأسه. أيوه... لقيناه في مخزن الأجهزة القديمة أثناء الجرد السنوي. المستشار القانوني اتقدم وقال يبقى لازم نثبت استلامه. بدأ يكتب محضرًا سريعًا، بينما كريم واقف بيبص للصندوق وكأنه هيلاقي الإجابة مكتوبة عليه. سأل بعصبية الصندوق ده فيه إيه؟ مدير المعمل رد عينات التحاليل اللي اتعملت قبل سنة. تحليل مين؟ ابتسم المدير ابتسامة خفيفة وقال كل حاجة موجودة في الأوراق... وأنا ممنوع أقول أكتر من كده. سمر كانت بتحاول تهدي الطفل، لكنه فجأة بدأ يعيط بصوت عالي. حملته بسرعة، لكن الطفل مد إيده ناحية كريمة. الغريب... إنه أول ما كريمة قربت، سكت تمامًا. ابتسم لها، ومسك طرف البالطو الأبيض بإيده الصغيرة. كل اللي في الممر لاحظوا الموقف. حتى كريم. قال باستغراب أول مرة يسكت مع حد غريب. سمر بلعت ريقها. هو... هو بيحب أي دكتور. لكن كلامها طلع متردد. كريمة ابتسمت للطفل بحنان، ورجعت خطوة لورا. وقالت الأطفال مابيكدبوش... لكن الكبار ساعات بيعملوا كده من غير ما يحسوا. الجملة وقعت على كريم زي الحجر. وقبل ما يرد... وصل فرد أمن المستشفى ومعاه موظفة من قسم السجلات. قالت وهي ماسكة دفتر قديم معذرة... أثناء مراجعة الملفات لقينا إن في صفحة كانت متدبسة بالغلط في ملف تاني. فتحت الدفتر. وسحبت ورقة صفراء عليها ختم المستشفى. بصت للاسم المكتوب فوق... واتجمدت. رفعت عينيها ناحية كريمة وقالت الورقة دي باسم حضرتك... وتاريخها قبل يوم واحد من جلسة الطلاق. كريمة أخدتها بإيد مرتعشة. قرأت أول سطر... ثم أغمضت عينيها لثوانٍ. لما فتحتهما من جديد، كان في نظرة مختلفة تمامًا. نظرة شخص بدأ يربط كل الأحداث ببعضها. أما كريم... فلمح في آخر الورقة توقيع طبيب يعرفه جيدًا. طبيب كان هو بنفسه أصر يروحله قبل الطلاق بأيام. وهنا... اختفت الثقة من ملامحه لأول مرة. لأنه أدرك أن السر الذي ظل مخفيًا سنة كاملة... قد لا يغيّر الماضي فقط، بل قد يقلب كل ما كان يعتقد أنه الحقيقة كريم مد إيده ناحية الورقة بسرعة. وريني. لكن كريمة ضمّت الورقة للملف، وقالت بهدوء دي نسخة من حقي... وهتتشاف في الوقت المناسب. صرخ بانفعال إنتِ بتعذبيني! المستشار القانوني تدخّل فورًا. أستاذ كريم... اهدأ. أي محاولة لأخذ المستندات بالقوة هتتسجل. رجع كريم خطوة، لكنه كان بيبص للورقة كأنها آخر أمل يعرف منه الحقيقة. في اللحظة دي، خرج الطبيب الكبير المسؤول عن المعمل من مكتبه. كان راجل لمحة نيوز في أوائل الستينات، وملامحه فيها وقار. أول ما شاف كريمة قال أنا آسف. استغرب الجميع. قالت كريمة بتعتذر على إيه يا دكتور؟ تنهد وقال لأن الغلطة الإدارية اللي حصلت وقتها كان ممكن تمنع ناس كتير من تعيش سنة كاملة في أوهام. الممر كله سكت. حتى الطفل بطل يصدر أي صوت. كريم قرب وقال يعني إيه أوهام؟ الطبيب بصله وقال مش من حقي أشرح التفاصيل قبل ما تكتمل الإجراءات. رد كريم بعصبية كل الناس بتقول نفس الجملة! ابتسم الطبيب بأسف. لأن الحقيقة لما تكون ناقصة... بتبقى أخطر من الكذب. سمر كانت واقفة ودموعها بتنزل في صمت. كريمة لاحظت ده. قربت منها وقالت بهدوء إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حاجة غلط... صح؟ سمر هزت راسها بالنفي. لكن بعد ثانيتين... هزتها بالموافقة. قالت بصوت مكسور كنت حاسة... مش متأكدة. حاسة بإيه؟ سمر بصت للأرض. إن فيه ورقة كانت ناقصة... وإن كل واحد فينا بنى حياته على جزء من الحقيقة. كريم لف ناحيتها بصدمة. وماقولتيش ليه؟ ردت وهي بتبكي لأني كنت فاكرة إن فتح الموضوع هيهد بيوت أكتر. سكت الجميع. وفجأة... دخل شاب صغير لابس بدلة موظفي الأرشيف، وهو بيجري. دكتور... لقينا الحاجة اللي كنا بندور عليها. كل الأنظار اتجهت ناحيته. كان ماسك فلاشة إلكترونية قديمة، ومحطوطة في كيس حفظ الأدلة. قال وهو بيلهث دي كانت جوه درج مكتب اتشال من سنة... وعليها نسخة إلكترونية من كل التقارير اللي اتعملت في الأسبوع اللي سبق الطلاق. مدير المعمل أخذ الفلاشة بحذر. وبص للمستشار. ثم قال لو الملفات عليها النسخ الأصلية... يبقى هنقدر نعرف بالثانية مين استلم كل تقرير... وإمتى... وهل التقرير اتسلّم فعلًا ولا لأ. كريم شعر ببرودة تسري في جسمه. لأنه لأول مرة... ظهر دليل لا يعتمد على كلام أي شخص. دليل يمكنه أن يكشف كل ما حدث قبل سنة، دقيقة بدقيقة. لكن قبل أن يضع مدير المعمل الفلاشة في جهاز الكمبيوتر... انطفأت أنوار الدور كله فجأة. وسُمِع صوت جهاز الإنذار يدوي في أرجاء المستشفى... وفي الظلام، سُمِع صوت شخص يقول أوعوا... الفلاشة!الأنوار انطفت لثوانٍ، والممر كله غرق في ظلام مفاجئ. الممرضات بدأوا يطمنوا الأطفال، وصوت جهاز الطوارئ كان مالي المكان. كريمة ثبتت مكانها، بينما المستشار ضم الحقيبة والصندوق بإيده. وفجأة... اشتغلت الإضاءة الاحتياطية. نور أصفر خافت غطّى الممر. أول حاجة بصوا عليها كانت الفلاشة. لسه في إيد مدير المعمل. تنفس الجميع الصعداء. قال مدير المعمل وهو بيبص حواليه واضح إن انقطاع الكهرباء كان بسبب اختبار دوري للطوارئ. لكن كريم كان مركز على حاجة تانية. سمر. كانت واقفة بعيد عن المكان اللي كانت فيه من ثواني. قال لها إنتِ روحتي فين؟ ردت بسرعة كنت بهدي ابني. لكن كريمة لاحظت إن سمر كانت ماسكة في جيب جاكتها بقوة، كأنها خايفة حاجة تقع منه. المستشار قال خلينا نخلص. دخلوا كلهم غرفة الاجتماعات الصغيرة الموجودة آخر الممر. الغرفة كان فيها شاشة كبيرة، وجهاز كمبيوتر قديم. مدير المعمل وصل الفلاشة بالجهاز. ظهرت ملفات كتير، كلها بتاريخ واحد... قبل الطلاق بأيام. بدأ يفتح أول ملف. تقارير معمل. تاني ملف. سجلات استلام. تالت ملف. كشف بأسماء الأشخاص اللي استلموا النتائج من قسم التحاليل. وفجأة... وقف المؤشر. قدام اسم واحد. مدير المعمل قطب حاجبيه. غريبة... كريم استعجل. في إيه؟ رد المدير السجل بيقول إن التقرير اتسلّم... لكن مش للدكتورة كريمة. سمر شهقت. أما كريمة ففضلت ساكتة. كريم قال بسرعة أمال لمين؟ المدير ضغط على السطر. لكن قبل ما الاسم يظهر... طلعت رسالة على الشاشة الملف مشفّر. يلزم كلمة مرور. المستشار استغرب. إحنا عمرنا ما كنا بنشفر الملفات. مدير المعمل هز رأسه. وده اللي مخليني مستغرب. في اللحظة دي... دخل موظف تكنولوجيا المعلومات بالمستشفى. بص للشاشة وقال الملف ده اتقفل بكلمة مرور من سنة بالضبط. تقدر تفتحه؟ أقدر... لكن هيحتاج شوية وقت. كريم فقد صبره. يعني بعد كل ده هنستنى؟! رد الموظف لو استعجلنا، ممكن الملف كله يضيع. كريمة أخدت نفسًا عميقًا. وقالت هنستنى. وبينما الجميع ساكت... وصل إشعار على جهاز الكمبيوتر. تم استعادة تلميح كلمة المرور. ضغط الموظف عليه. ظهر سطر واحد فقط اسم الشخص الذي استلم التقرير لأول مرة. ساد صمت ثقيل داخل الغرفة... لأن الجميع أدرك أن كلمة المرور نفسها مرتبطة بالشخص الذي اختفت عنده الحقيقة طوال عام كامل. ولأول مرة... بدأت الشكوك تتجه إلى شخص لم يفكر فيه أحد من قبل موظف تكنولوجيا المعلومات حك ذقنه وهو بيبص للشاشة. قال التلميح واضح... لكن من غير الاسم نفسه، مستحيل نخمن كلمة المرور. كريم ضرب بإيده على المكتب. افتحوه بأي طريقة! رد الموظف بهدوء لازم يبقى فيه أمر رسمي، أو نستنى برنامج الاستعادة يخلص. ظهر على الشاشة شريط تحميل... 3 الصمت كان خانق. كل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها. وفجأة... المستشار القانوني افتكر حاجة. فتح الملف الأصفر، وطلع منه إيصال استلام قديم. قال استنوا... كلهم بصوا له. يوم النتيجة، أي حد كان بيستلم تقرير كان لازم يمضي هنا. قلب الصفحات بسرعة. أول صفحة... تاني صفحة... لحد ما وقف. لكن مكان التوقيع الخاص بملف كريمة كان فاضي. قال بدهشة مفيش توقيع. كريمة عقدت حاجبيها. يعني أنا ما استلمتش التقرير. هز رأسه. ولا فيه أي دليل إنك استلمتيه. كريم قال بسرعة يبقى ضاع. لكن المستشار رد لا... لأن السجل الإلكتروني بيقول إنه اتسلّم. ساد الصمت من جديد. يعني في حد استلمه... لكن مش كريمة. في اللحظة دي، رن هاتف مدير المعمل. رد بسرعة، وبعد ثواني اتغيرت ملامحه. قال إيه؟... متأكد؟ قفل المكالمة وبص للجميع. أمين المخزن القديم وصل. الموظف الكبير دخل الغرفة ببطء، وكان ماسك دفترًا مغبرًا. قال وأنا بنضف المخزن، لقيت الدفتر ده. فتحه. وكان عبارة عن سجل يدوي، بيستخدم وقت تعطل النظام الإلكتروني. قلب صفحاته... لحد ما وصل لتاريخ قبل الطلاق بيومين. وأشار بإصبعه إلى سطر معين. هنا. الجميع اقترب. لكن قبل ما يقرأ الاسم... دخلت ممرضة مسرعة وهي بتقول دكتورة كريمة... في مريض صغير حالته اتدهورت، ولازم حضرتك حالًا. كريمة بصت للدفتر... ثم بصت للطفل المريض. من غير تردد، قفلت الملف وقالت المريض أولًا. وجريت خارج الغرفة. كريم صرخ إنتِ هتمشي دلوقتي؟! ردت وهي بتجري في الممر الحقيقة مستنية سنة... تقدر تستنى عشر دقايق كمان. لكن الطفل ده ما يقدرش. الجميع سكت. حتى كريم ما عرفش يرد. أما أمين المخزن... ففضل ماسك الدفتر مفتوحًا على نفس الصفحة، وعينه على الاسم المكتوب فيها. ثم همس للمستشار الغريب... إن الاسم ده مش اسم دكتور... ولا اسم مريض. المستشار اتسعت عيناه. أمال اسم مين؟ أمين المخزن أغلق الدفتر بسرعة، وقال بصوت منخفض لو قرأته قدام الكل دلوقتي... كل اللي حصل من سنة هيتغير في لحظة كريمة اختفت داخل غرفة الطوارئ، وبابها اتقفل وراها. أما برا... فالتوتر كان بيزيد مع كل ثانية. كريم قرب من أمين المخزن وقال بعصبية افتح الدفتر.. مش قبل ما الدكتورة ترجع. ليه؟ لأن الاسم المكتوب فيه يخص القضية كلها، ولازم الطرفين يكونوا موجودين. كريم زفر بضيق، وبدأ يتمشى في الغرفة. سمر كانت قاعدة على الكرسي، والطفل نايم على كتفها، لكنها كانت شاردة بشكل واضح. بعد حوالي ربع ساعة... باب الطوارئ اتفتح. خرجت كريمة وهي بتخلع القفازات الطبية. واضح عليها الإرهاق، لكن الطفل كان بخير. أول ما دخلت غرفة الاجتماعات، قال أمين المخزن دلوقتي أقدر أقرأ. فتح الدفتر مرة تانية. وقرّب النظارة من عينه. ثم قال ببطء في يوم تسليم التقرير... الشخص اللي استلمه كتب اسمه بنفسه. حبس الجميع أنفاسهم. قرأ السطر الأول... ثم توقف. قطب حاجبيه. غريبة... المستشار سأله في إيه؟ رد في كشط بالقلم فوق الاسم. مدير المعمل أخذ الدفتر وعدسة مكبرة. ظل يتأمل الورقة دقيقة كاملة. ثم قال الاسم الأصلي اتحاول يتمسح... لكن الضغط بتاع القلم لسه ظاهر. أخرج ورقة بيضاء، ووضعها فوق الصفحة، ومرر عليها قلم رصاص بخفة. بدأت الحروف القديمة تظهر تدريجيًا. كريم كان بيبص في ذهول. سمر كانت دموعها بتنزل من غير كلام. وأخيرًا... اكتملت الحروف. لكن قبل أن ينطق مدير المعمل بالاسم... دخل رجل أمن المستشفى يحمل صندوق البريد الداخلي. قال معذرة... دي رسالة كانت محجوزة في قسم المراسلات من سنة، واتلقت النهارده أثناء الجرد. ناول الظرف للمستشار. كان الظرف مغلقًا بالشمع الأحمر. ومكتوب عليه بخط اليد يُسلَّم للدكتورة كريمة السعيد فقط... إذا لم تصلها نتيجة التحليل خلال أسبوع. ساد صمت ثقيل. كريمة أخذت الظرف ببطء. تأملت التاريخ. كان فعلًا قبل الطلاق بأيام. رفعت نظرها إلى الجميع. وقالت بهدوء واضح إن حد حاول يوصل الحقيقة... لكن الرسالة نفسها ما وصلتش. ثم بدأت تفتح الظرف... وفي اللحظة التي ظهرت فيها أول ورقة بداخله، تغيّر لون وجهها فجأة. ولأول مرة منذ بداية المواجهة... همست باسم شخص لم يكن أحد يتوقع أن يكون له أي علاقة بما حدث كريمة ظلت تنظر إلى الورقة لثوانٍ، وكأنها لا تصدق ما تراه. رفع المستشار نظره إليها وقال مين؟ أغلقت الورقة بسرعة، ثم قالت بهدوء قبل ما أقول أي اسم... لازم أتأكد. كريم فقد أعصابه. إحنا بقالنا ساعة بنسمع ألغاز! ردت عليه بنبرة ثابتة لأن كلمة واحدة غلط ممكن تظلم إنسان. ساد الصمت. مدير المعمل قال معاها حق. ثم أشار إلى الدفتر القديم. خلونا نكمل الدليل الأول. أخذ العدسة مرة أخرى، وأعاد النظر إلى آثار القلم. وبعد دقائق من التركيز، قال واضح إن الاسم مكتوب بحروفه الأولى بس. المستشار اقترب. إيه الحروف؟ تنهد المدير وقال ك... س. كريم اتفاجأ. ك. س؟! كريمة لم تتكلم. أما سمر، فرفعت رأسها لأول مرة وقالت بسرعة في المستشفى دي فيه أكتر من موظف بالحروف دي. مدير المعمل هز رأسه. وده اللي بيصعب الموضوع. في تلك اللحظة، دخلت موظفة الأرشيف وهي تحمل ملفًا رماديًا. قالت لقينا حاجة تانية. وضعت الملف على الطاولة. دي سجلات كاميرات الممرات... لكن للأسف الفيديو نفسه اتحذف تلقائيًا بعد شهور. كريم تنهد بضيق. يعني مفيش فايدة. ابتسمت الموظفة وقالت الفيديو اتحذف... لكن سجل التشغيل لسه موجود. استغرب الجميع. فتحت الملف، وأشارت إلى صفحة محددة. اليوم ده، الكاميرا سجلت وقت دخول وخروج كل شخص قدام قسم التحاليل. بدأ الجميع يراجع الأسماء. أطباء... ممرضات... موظفون... ثم توقف المستشار عند سطر معين. استنوا... كلهم اقتربوا. كان هناك اسم، وبجواره توقيت الدخول... لكن خانة الخروج كانت فارغة. قال المستشار الشخص ده دخل قسم التحاليل... ومفيش تسجيل إنه خرج من نفس الباب. كريم عقد حاجبيه. يعني خرج منين؟ ردت موظفة الأرشيف فيه باب خلفي للخدمات... قليل جدًا اللي يعرفه. كريمة أغلقت الملف بهدوء. وقالت يبقى اللي حصل يومها كان مخطط له. ولأول مرة... لم يعترض كريم. لأنه بدأ يشعر أن الحقيقة أكبر بكثير مما تخيل. وفي نفس اللحظة، رن هاتف المستشار. استمع لثوانٍ، ثم أغلق الخط. نظر إلى كريمة وقال الشخص اللي كان مسؤول عن الأرشيف وقتها... وافق ييجي المستشفى. حبس الجميع أنفاسهم. لأن هذا الشخص... كان الوحيد الذي يعرف من استلم التقرير فعلًا، ولماذا اختفى طوال عام كامل مرّت عشرون دقيقة، وكل واحد في الغرفة كان بيبص للباب كل ما يسمع أي خطوة في الممر. أخيرًا... وقف أسانسير الدور. وخرج منه رجل في منتصف الأربعينات، ماسك حقيبة أوراق صغيرة. أول ما شافه عادل، قال أستاذ هشام... الحمد لله إنك جيت. هشام سلّم على الموجودين، ثم نظر إلى كريمة باحترام. أنا آسف إن الحقيقة اتأخرت كل الوقت ده. كريم لم يتمالك نفسه. إحنا مش ناقصين اعتذارات... قول اللي عندك. هشام فتح الحقيبة بهدوء، وأخرج ظرفًا شفافًا بداخله ورقة واحدة. قال أنا احتفظت بالورقة دي لأني حسيت إن فيها حاجة مش طبيعية، لكن ماكنش من حقي أفتحها ولا أتصرف فيها. المستشار أخذ الظرف، وتأكد أن الشمع الأحمر ما زال كما هو. ثم قال واضح إنه ما اتفتحش من يوم ما اتقفل. هشام أومأ برأسه. وده السبب اللي خلاني أحتفظ بيه. كنت مستني اليوم اللي أصحابه الحقيقيين يكونوا موجودين. كريمة سألت مكتوب على الظرف إيه؟ اقترب المستشار وقرأ بصوت واضح مرفق مع التقرير النهائي... لا يُعتد بأي نتيجة قبل فتح هذا المرفق. ساد الصمت. مدير المعمل قال ببطء يعني... كل اللي اتبنى بعد كده كان ناقص أهم ورقة. كريم شعر أن أنفاسه أصبحت أثقل. افتحوه. لكن المستشار هز رأسه. لازم يتوثق فتحه رسميًا. بدأ يكتب محضرًا، وطلب من الجميع التوقيع كشهود. وقع عادل. وقع هشام. وقع مدير المعمل. ثم وقّعت كريمة. وأخيرًا... مد المستشار الظرف إلى كريم. إمضِ. كريم أمسك القلم، لكن يده كانت ترتجف. بعد أن انتهى، أمسك المستشار بمقص صغير، وبدأ يفتح الشمع الأحمر بحذر شديد. كل العيون كانت معلقة بالظرف. حتى الطفل، الذي كان قد استيقظ، توقف عن الحركة وكأنه يشعر بالتوتر. خرجت الورقة ببطء. قلبها المستشار. قرأ السطر الأول... وفجأة رفع رأسه إلى كريمة في ذهول. ثم نظر إلى كريم. ولأول مرة منذ بدأ كل هذا... قال جملة واحدة جعلت الجميع يتبادل النظرات في صدمة واضح إنكم الاتنين... كنتوا ضحية نفس الخطأ. وساد الصمت... بينما بدأت كريمة تمد يدها لتقرأ باقي محتوى الورقة بنفسها، قبل أن ينطق أي شخص بتفاصيلها بعد أقل من عشر دقائق... اتفتح باب غرفة الاجتماعات. دخل رجل في أواخر الخمسينات، شعره بدأ يشيب، وماسك ملفًا جلديًا قديمًا. أول ما شافته موظفة الأرشيف قالت أستاذ عادل. هز رأسه في هدوء، ثم بص ناحية كريمة. أنا عارف إن حضراتكم مستنيين إجابات. كريم قام من مكانه بسرعة. أيوه... وإحنا زهقنا من الانتظار. رفع عادل إيده وقال لكن قبل أي حاجة... لازم أوضح إن اللي حصل وقتها كان خطأ إداري، والنيابة أقفلت التحقيق بعد ما ما لقوش دليل على وجود تعمد. المستشار سأله حضرتك كنت مسؤول عن تسليم التقارير؟ لا... كنت مسؤول عن حفظها بعد التسليم. فتح الملف الجلدي، وأخرج ورقة قديمة عليها ختم المستشفى. دي نسخة من سجل الحركة الداخلي. نظر إليها طويلًا، ثم قال التقرير خرج من المعمل فعلًا... لكن رجع تاني بعد أقل من ساعة. كريم اتجمد. رجع؟ أيوه. كريمة سألت بهدوء مين اللي رجعه؟ عادل هز رأسه بأسف. الاسم في النسخة دي غير واضح بسبب بقعة حبر. سمر أغمضت عينيها، وكأنها كانت تدعو ألا يظهر الاسم. لكن عادل أكمل في حاجة أغرب من كده. كلهم بصوا له. الشخص اللي رجّع التقرير كتب ملاحظة بخط إيده. إيه هي؟ قرب الورقة من عينه، ثم قرأ ببطء يُحفظ لحين مراجعة نتيجة أخرى. ساد صمت ثقيل. كريمة همست نتيجة أخرى؟ مدير المعمل قال يعني كان فيه تحليل تاني مستني يطلع. كريم بص لهم باستغراب. طيب وليه محدش بلغنا؟ رد عادل لأن بعدها بيومين مباشرة... صدر قرار بنقل جزء من الأرشيف لمبنى جديد، وحصلت لخبطة كبيرة في الملفات. المستشار ضم الورق كله في ملف واحد. وقال دلوقتي بقينا عارفين إن الحقيقة ما اختفتش... هي اتأجلت. وفي نفس اللحظة. .. رن هاتف عادل. بص للشاشة، واتغيرت ملامحه. رد بسرعة. وبعد أقل من دقيقة، قال وهو بيقفل المكالمة فيه حاجة لازم تعرفوها. إيه؟ أخذ نفسًا عميقًا وقال الموظف اللي كتب الملاحظة على التقرير... لسه عايش، ولسه شغال في المجال. اتسعت عينا كريم. أما كريمة، فاكتفت بسؤال واحد هو وافق يتكلم؟ رد عادل قال إنه هييجي... لكن معاه مستند احتفظ بيه في بيته من سنة كاملة، وقال إن المستند ده لو اتفتح... توقف للحظة. ثم أكمل ...هيجاوب على السؤال اللي غيّر حياة كل واحد فيكم كريمة أخذت الورقة من يد المستشار بكل هدوء. قرأت السطر الأول مرة... ثم أعادت قراءته. أغلقت عينيها للحظة، وكأنها تسترجع كل ما مرّ بها خلال السنوات الماضية. كريم لم يعد يحتمل. قال بصوت مرتفع حد يفهمني! رفعت كريمة رأسها، وقالت لأول مرة منذ بداية المواجهة الورقة دي بتقول إن التقرير اللي استلمناه وقتها... كان تقريرًا غير مكتمل. ساد الصمت. مدير المعمل أوضح في بعض التحاليل المعقدة بيكون فيه تقرير مبدئي، وبعده تقرير نهائي بعد مراجعة إضافية. كريم عقد حاجبيه. وده حصل معانا؟ أجاب المدير بحسب المستند... أيوه. المستشار أشار إلى آخر الصفحة. وفيه ملاحظة مهمة. أخذ الورقة وقرأ يُمنع اتخاذ أي قرار طبي أو قانوني اعتمادًا على النسخة الأولية قبل اعتماد التقرير النهائي. كريمة ابتسمت ابتسامة حزينة. لكن القرار اتاخد. كريم جلس على أقرب كرسي. لأول مرة، لم يكن عنده أي رد. بعد لحظات، قال بصوت منخفض يعني... إحنا اتطلقنا بسبب ورقة ما كانش المفروض حد يعتمد عليها؟ مدير المعمل أجاب بحذر الورقة بتقول إن التقرير الأولي وحده لا يكفي... أما النتيجة النهائية، فلازم تُقرأ مع باقي المستندات الموجودة في الملف. سمر بدأت تبكي بصوت مسموع. قالت لو الحقيقة كانت وصلت وقتها... كان كل واحد فينا عاش حياة مختلفة. لكن كريمة هزت رأسها بهدوء. مش لازم. كلهم بصوا لها. حتى لو الورقة وصلت... المشاكل اللي كانت بيني وبين كريم كانت أكبر من أي تحليل. نظر إليها كريم في صمت. كانت أول مرة يسمعها تتكلم من غير غضب، ومن غير لوم. قالت احترام الإنسان لشريك حياته ما ينفعش يكون متعلق بنتيجة ورقة. خفض كريم عينيه إلى الأرض. ولأول مرة... بدت عليه علامات الندم الحقيقي. لكن قبل أن يتكلم... رن هاتف المستشار مرة أخرى. رد، واستمع لثوانٍ، ثم قال وصل. رفع الجميع رؤوسهم. مين؟ أغلق الهاتف وقال الخبير اللي اعتمد التقرير النهائي بنفسه قبل سنة. نظر إلى الباب، ثم قال هو الشخص الوحيد القادر يشرح... ليه التقرير النهائي كان مختلف، وليه ما وصلش لأي واحد فيكم. وفي نفس اللحظة... انفتح باب غرفة الاجتماعات ببطء. ودخل الرجل حاملًا ملفًا أزرق سميكًا، وعلى غلافه عبارة واحدة النسخة النهائية المعتمدة. وتوقفت كل الأنفاس، لأن الملف الذي بين يديه كان يحمل الإجابة التي انتظرها الجميع عامًا كاملًا... لكن أحدًا لم يعرف بعد ماذا كُتب في أول صفحة منه دخل الخبير بهدوء، ووضع الملف الأزرق على الطاولة. نظر إلى الجميع، ثم قال قبل ما نفتحه... لازم أوضح حاجة. كريم قال بحدة اتفضل. رد الخبير الملف ده مش معمول علشان يدين حد... ولا يبرئ حد. هو موجود علشان يوضح الحقيقة الطبية فقط. كريمة أومأت برأسها. وده اللي إحنا عايزينه. فتح الخبير الملف، وأخرج عدة صفحات مرتبة. ثم قال التقرير النهائي أكد إن النتيجة الأولية ما كانش ينفع يُبنى عليها أي قرار. نظر كريم إلى كريمة، ثم عاد ببصره إلى الخبير. وده معناه إيه؟ أجاب الخبير معناه إن التقرير الأول كان ناقص بيانات أساسية، والتقرير النهائي استكملها. المستشار سأل هل التقرير النهائي كان مختلف عن الأول؟ تنهد الخبير وقال فيه فروق جوهرية... لكني مش هقرأها دلوقتي. كريم نهض من مكانه مرة أخرى. ليه؟ أغلق الخبير الملف برفق، وقال لأن فيه إجراء قانوني لازم يتم الأول. التقرير ده ما ينفعش يتسلم إلا بنسخة رسمية للطرفين. أخرج ظرفين مختومين، ووضع واحدًا أمام كريمة، والآخر أمام كريم. ثم قال كل واحد هيستلم نسخته في نفس اللحظة. مدّ كلٌ منهما يده نحو الظرف. لكن قبل أن يفتحاه... طرق أحدهم الباب. دخلت موظفة الاستقبال وهي تقول معذرة... فيه شخص كبير في السن برة، بيقول إنه لازم يقابل الدكتورة كريمة والأستاذ كريم، وإنه كان شاهد على اللي حصل قبل سنة. نظر الجميع إلى بعضهم في دهشة. قال المستشار اسأليه اسمه. خرجت الموظفة، ثم عادت بعد لحظات. وقالت اسمه... عم حسن. وفور ما نطقت بالاسم... اتغيرت ملامح الخبير فجأة. وقال في ذهول لو عم حسن جه بنفسه... يبقى فيه جزء من الحقيقة ماكانش موجود حتى في الملف اتفتح الباب بهدوء. دخل عم حسن، راجل في أواخر الستينات، لابس جلابية بسيطة وجاكيت قديم، وفي إيده علبة خشب صغيرة عليها قفل نحاس. أول ما شافه مدير المعمل، قام وقف. عم حسن... إنت رجعت؟ ابتسم الراجل ابتسامة هادئة. رجعت... بعد ما عرفت إن فيه ناس لسه بتدور على الحقيقة. كريم كان على آخره. يا جماعة، كل شوية حد جديد! لكن عم حسن ما بصّلوش. كان باصص لكريمة. وقال يا بنتي... سامحيني. استغربت كريمة. حضرتك بتعتذرلي ليه؟ فتح علبة الخشب، وأخرج منها ظرفًا صغيرًا جدًا، لونه اصفر من الزمن. وقال الظرف ده وقع مني يوم نقل الأرشيف. دورت عليه كتير، وما لقيتوش غير من أسبوع، لما كنت بنضف البيت. المستشار أخذ الظرف بحذر. نظر إلى الختم. ثم قال بدهشة ده ختم قسم التحاليل. فتح الظرف ببطء. كان بداخله... إيصال استلام صغير. قرأه بصوت مسموع تم تسليم التقرير النهائي إلى قسم المراسلات... ولم يتم تسليمه لأي من الطرفين. ساد الصمت. كريم همس يعني. .. لا أنا شفته... ولا كريمة شافته. هز عم حسن رأسه. وده اللي كنت عايز أقوله من سنة... لكن بعدها بأيام خرجت على المعاش، وسافرت أقعد مع ابني. كريمة تنهدت. يعني كل اللي حصل... كان بسبب سلسلة أخطاء. عم حسن رد بحكمة الأوراق أخطأت... لكن الناس هي اللي اختارت تتصرف من غير ما تستنى الحقيقة كاملة. الجملة دي خلت كريم يطأطئ رأسه. لأنه تذكر إنه بعد الطلاق مباشرة، أقفل كل أبواب الحوار، ورفض أي محاولة لمراجعة اللي حصل. وقبل أن يتكلم... رن هاتف كريمة. بصت للشاشة. كان المتصل... المحكمة. ردت بهدوء. استمعت لدقيقة كاملة، ثم قالت تمام... إحنا موجودين. قفلت المكالمة. بصلها المستشار. خير؟ قالت وهي تنظر إلى الملف الأزرق والظروف المختومة القاضي طلب يشوف كل المستندات الأصلية بنفسه... النهارده. وتبادل الجميع النظرات. لأنهم أدركوا أن المواجهة الحقيقية... لن تكون في ممر المستشفى، بل داخل قاعة المحكمة، حيث ستُفتح كل الملفات لأول مرة أمام الجميع في أقل من ساعة، كان الجميع داخل قاعة صغيرة ملحقة بالمحكمة، مخصصة للقضايا التي تحتاج إلى خبراء ومستندات طبية. القاضي دخل، وجلس في مكانه. وقال بهدوء إحنا هنا مش علشان نرجع الماضي... إحنا هنا علشان نعرف الحقيقة. وُضعت كل المستندات على الطاولة. الملف الأزرق. الظرف القديم. سجل الأرشيف. وسجل المعمل. القاضي بدأ يراجع الأوراق واحدة تلو الأخرى، من غير ما يتكلم. كل دقيقة كانت أصعب من اللي قبلها. وأخيرًا... رفع رأسه. وقال للخبير في سؤال واحد. اتفضل يا فندم. لو التقرير النهائي وصل في موعده... هل كانت هتتغير النتيجة الطبية؟ الخبير فكر للحظات، ثم قال كانت هتتغير طريقة فهم النتيجة بالكامل. كريم اتنفس بسرعة. يعني... قاطعه الخبير. لكن ده لا يغير حقيقة إن التقرير الأول كان غير صالح لاتخاذ قرار نهائي. القاضي سجل الملاحظة. ثم نظر إلى كريمة. هل حد منعك من مراجعة التقرير بعد الطلاق؟ هزت رأسها. لا يا فندم... أنا كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت. ثم نظر إلى كريم. وأنت؟ خفض كريم عينيه. أنا كمان افتكرت إن كل حاجة انتهت. القاضي أغلق الملف. وقال وده أكبر درس في القضية دي. كل الموجودين انتبهوا لكلامه. أحيانًا المشكلة مش في الورقة اللي ضاعت... المشكلة إن الناس بتقفل الأبواب قبل ما تتأكد إنها سمعت الحقيقة كاملة. ساد الصمت. وفي اللحظة دي... استأذن أحد موظفي المحكمة في الدخول. كان ماسك مظروفًا أبيض مختومًا. قال يا فندم... ده وصل من المعمل المركزي من نص ساعة. الخبير استغرب. المعمل المركزي؟ فتح القاضي المظروف بنفسه. قرأ الورقة. ثم اتسعت عيناه. رفع نظره إلى الخبير وقال واضح إن في معلومة جديدة ما كانتش موجودة في أي ملف من اللي قدامنا. كريمة شعرت أن قلبها بدأ يدق بسرعة. أما كريم... فأدرك أن كل ما عرفه حتى الآن قد لا يكون إلا نصف الحقيقة. وتوقفت الجلسة مؤقتًا... إلى أن تُقرأ الورقة الجديدة أمام الجميع القاضي قلب الورقة مرة تانية، ثم وضعها على المكتب من غير ما يقرأها بصوت عالٍ. المستشار سأله في حاجة جديدة يا فندم؟ رد القاضي بهدوء أيوه... لكن لازم الأول أتأكد إنها مرتبطة بنفس القضية. الخبير أخذ الورقة، وبدأ يراجعها سطرًا سطرًا. وفجأة قال دي مش نتيجة تحليل... كل الموجودين بصوا له. أمال إيه؟ أجاب دي مذكرة داخلية من المعمل المركزي، اتبعت للمستشفى قبل سنة، وبتطلب إعادة مراجعة جميع الملفات اللي خرجت في أسبوع معين بسبب عطل فني في أحد أجهزة التحليل. ساد صمت ثقيل. كريمة همست الأسبوع اللي قبل طلاقي... هز الخبير رأسه. هو نفسه. كريم سند إيده على الكرسي. يعني المشكلة ما كانتش في ملفنا بس؟ لا... كان فيه أكتر من ملف اتراجع احترازيًا. القاضي أغلق المذكرة وقال وده يفسر ليه كان فيه تقرير مبدئي وتقرير نهائي. في اللحظة دي، تنفست سمر لأول مرة براحة، وقالت الحمد لله... كنت فاكرة إن حد تعمد يخبي الحقيقة. رد الخبير حتى الآن... كل اللي قدامنا يشير إلى أخطاء إدارية وفنية، مش إلى تعمد. كريمة بصت لسمر، ثم قالت بهدوء وده يخلينا كلنا نتعلم إن الشك ساعات بيبني قصص ملهاش وجود. كريم ظل ساكتًا. ثم قال بصوت منخفض أنا ظلمتك بكلام كتير. كريمة لم ترد. واكتفت بالنظر أمامها. القاضي جمع كل الأوراق في ملف واحد، ثم قال الحقيقة الطبية بقت واضحة... لكن قرار كل واحد في حياته، ده شيء تاني. خرج الجميع من القاعة في صمت. وأثناء نزولهم درجات المحكمة... وقف رجل مسن كان يتابع الجلسة من بعيد. ابتسم لكريمة وقال أنا كنت زميل والدك الله يرحمه. استغربت. حضرتك تعرف بابا؟ ناولها ظرفًا صغيرًا. وقال أبوك سلمني الظرف ده من سنين، وقال لي لو في يوم بنتي احتارت بين الحقيقة والوجع... سلمها الرسالة دي. أخذت كريمة الظرف بيد مرتجفة. نظرت إلى اسم والدها المكتوب بخطه.. ولم تفتحه... لأنها شعرت أن ما بداخله قد يغيّر مستقبلها، لا ماضيها فقط وقفت كريمة على سلالم المحكمة، والظرف بين إيديها. فضلت تبص لخط والدها لدقائق. كان نفس الخط اللي كانت تشوفه كل يوم على المذكرات اللي كان بيسيبها لها وهي صغيرة. ابتسمت بحزن. ثم فتحت الظرف ببطء. كان فيه ورقة واحدة، ورسالة قصيرة. بدأت تقرأ في صمت. يا كريمة... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أكيد مريتي بيوم صعب. افتكري دايمًا إن الحقيقة مهمة... لكن الأخلاق أهم. ومهما اكتشفتي، أوعي تخلي الغضب يخليكِ تعاقبي حد أكتر من غلطه. الإنسان بيتحاسب على أفعاله... مش على أخطاء الزمن. نزلت دمعة من عينها. وطوت الرسالة من جديد. كريم كان واقف على بعد خطوات، ولأول مرة من بداية اليوم، اقترب من غير غرور. قال بصوت منخفض ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟ بصت له. اتفضل. تنهد طويلًا. أنا عارف إن الاعتذار مش هيمحي اللي حصل. سكت لحظة. بس أنا فعلًا ندمان على الطريقة اللي اتكلمت بيها معاكي... وعلى إني استخدمت وجعك ضدك. كريمة لم تقاطعه. أكمل أنا كنت فاكر إني كسبت... ولما عرفت الحقيقة، اكتشفت إننا كلنا خسرنا. ساد صمت قصير. ثم قالت كريمة بهدوء الندم مهم... بس الأهم إن الإنسان يتعلم. هز رأسه. أنا اتعلمت. وفي تلك اللحظة... اقتربت سمر وهي حاملة طفلها. كانت مترددة. قالت يا كريمة... أنا عارفة إن مفيش كلام هيغير الماضي. تنهدت. لكن أتمنى في يوم تسامحيني. كريمة نظرت إلى الطفل، ثم ابتسمت له. مد الطفل يده الصغيرة نحوها. أمسكتها برفق. ثم قالت لسمر أنا مش شايلة جوايا كره لحد... لكن كل واحد فينا هيعيش بنتيجة اختياراته. سمر أطرقت رأسها في صمت. وفي نفس اللحظة... رن هاتف كريمة. كان من إدارة المستشفى. ردت. ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية. قالت شكرًا... أنا جاية حالًا. أغلقت الهاتف. سألها المستشار خير؟ قالت فيه طفل محتاج عملية عاجلة... ومفيش غيري متاح دلوقتي. خلعت جاكتها الرسمي، وعدلت بالطو الطبيب، واتجهت نحو سيارتها. وقبل أن تركب، التفتت إلى الجميع وقالت في ناس بتقضي عمرها كله تدور على الماضي... وأنا اخترت أكمل وأنقذ مستقبل حد تاني. ثم انطلقت إلى المستشفى. أما كريم، فظل واقفًا ينظر إليها وهي تبتعد. وأدرك أن أقوى انتصار حققته كريمة... لم يكن في المحكمة، ولا في الملفات، ولا في أي تقرير. بل في أنها خرجت من كل ما حدث، محتفظة باحترامها لنفسها، وبقدرتها على أن تبدأ صفحة جديدة. النهاية.