يوم عيد ميلادي حصري لصفحه روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
في ليلة عيد ميلادي التمانتاشر، وفي القاعة الكبيرة في فندق الماريوت بالزمالك، أبويا رفع كاسه قدام أكتر من ميتين ضيف وقال بصوت عالي: «أخيراً فريدة كبرت وبقت أنسة مسئولة!»
الكل قعد يسقف، وأنا ابتسمت… مش عشان مبسوطة، بس عشان دي الأصول اللي اتعودنا عليها قدام الناس
.
أنا فريدة الألفي. جدي «جلال» توفى من ست شهور وسابلي ورث ٣٠ مليون جنيه باسمي. جدي الله يرحمه كان دايماً يقولي: «الفروس مش هي اللي بتحميكي يا فريدة… السيطرة هي اللي بتحميكي.»
عشان كده، قبل الحفلة بساعتين، كنت قاعدة في مكتب المحامية نورا في وسط البلد، وحاطة إيدي على ركبتي وأنا لابسة الفستان الأسود، وهي بتمدلي الأوراق على الترابيزة.
سألتني: «أنتِ متأكدة يا فريدة؟ أول ما تنفذي الصندوق الائتماني ده، ولا أباكي ولا أمك هيقدروا يلمسوا قرش واحد من الأصل. أنتِ والمحامي المستقل بس اللي ليكم صلاحية الصرف وحسب الشروط اللي اتفقنا عليها.»
رديت بثقة: «متأكدة.»
على الساعة سبعة بالليل، الورث بتاعي ما بقاش مجرد حساب في البنك يقدروا يضغطوا عليا عشان أفكّه… بقا جوه صندوق «جلال الألفي للتعليم والاستقلالية»، محمي عشان مصاريف دراستي، وسكني، وتأميني الطبي، واستثماراتي في المستقبل.
أمي قالت عليّ «مأفورة»، وأبويا لما عرف ضحك باستخفاف.
مسك كتفي وعصر عليه جامد وهو بيتصور معايا وقال: «عندك تمانتاشر سنة وبتمثلي علينا مسلسل درامي؟»
وأمي، «سحر»، بصلتي وهي بتميل بكاسها وقالت: «كسفتينا قدام الناس… أبلة نورا كان المفروض تبقى أعقل من إنها تشجع جنان العيال ده.»
بس أخويا الكبير، «شريف»، ما ضحكش. كان باصصلي من آخر القاعة كأني قفلت في وشه باب كان مجهز نفسه يدخل منه.
الحفلة كملت، وقطعنا التورتة، وأبويا قال كلمة عن صلة الرحم والعمود الفقري للعيلة، وأمي نزلت دمعتين حلوين عشان كاميرات التصوير. وشريف اختفى قبل الساعة ١٢ مع صاحبته «ميرا»، اللي كانت لابسة غوايش ستي الألماظ من غير ما تستأذن حتى.
الساعة واحدة وعشرة بالليل، لقيت أبويا واقف في الطرقات بتاعة الفندق بيزعق في التليفون:
«نقلت الفلوس كلها! أيوه كلها مش عارف أرجع في الكلام… الحساب مقفول بضبة ومفتاح!»
أول ما لمني، وشّه اتغير في ثانية من الرعب لتمثيل الهدوء وقال: «روحي نامي يا فريدة.»
التاني يوم الصبح، نزلت الصالون لقيت أبويا وأمي قاعدين مستنيني. مفيش قهوة، مفيش ابتسامة، ومفيش ولا حد من الشغالين واقف.
حصري لصفحة روايات رولا
عينين أمي كانت حمرا، بس مش من الزعل… من الغل.
أبويا وقف على رأس الترابيزة، وقال الجملة اللي أثبتتلي إني لسه منقذة مستقبلي بجد:
«بما إنك بوضوح مش واثقة في العيلة دي… فتقدرتِ تلمي هدومك وتطلعي برة البيت ده قبل الظهر.»
للحظة، افتكرت إني سمعت غلط.
«أطلع برة البيت قبل الضهر.»
مش عشان كسرت القانون، ولا عشان أذيت حد، ولا حتى عشان عملت فضيحة أمي تفضل تتحسر عليها سنين… كل ده لمجرد إني حميت الورث اللي جدي سابهولي.
بصيت لأبويا وبعدها لأمي. «سحر» كانت قاعدة مفرودة وضهرها مستقيم بروب الحرير البيج، إيدها ماسكة كاس العصير اللي ما لمستوش، وشها كان باين عليه الضيق… مش الحزن، كأني دلقت حاجة غالية على السجادة مثلاً.
سألتهم: «أنتم بتتكلموا بجد؟»
حصري لصفحة روايات رولا
أبويا فكّه اتشنج وقال: «أنتِ أخدتِ قرار كبار، والكبار بيتحملوا نتيجة قراراتهم.»
كنت هضحك، بس الضحكة وقفت في زوري: «جدي ساب الفلوس دي ليا أنا.»
أمي ردت بحدة: «سابها للعيلة كلها!»
رديت بثبات: «لا، سابها ليا أنا، والوصية كانت واضحة جداً.»
أبويا ضرب بكف إيده على الترابيزة جامد، الشوك والمعالق أترجت: «ما تدينيش دروس في الوضوح! أنتِ فاهمة أنتِ عملتِ إيه؟ فاهمة حطيتينا في موقف عامل إزاي؟»
هنا كانت الحقيقة… مش زعل، ولا إحساس بالخيانية… الموقف بس.
حصري لصفحة روايات رولا
افتكرت المكالمة في طرقات الفندق، افتكرت نظرات أخويا «شريف»، وافتكرت صاحبته «ميرا» وهي لابسة غوايش ستي اللي أمي كانت دايماً بتقول إنها في الخزنة.
سألته بصوت واطي: «موقف إيه؟»
أمي بصت لأبويا ونظرته تحذير بعينيها، بس هو كان غرقان في عصبيته: «كان علينا التزامات! التزامات مؤقتة! أخوكي كان محتاج فلوس عشان مشروعه الجديد في الكافيه، وأمك كان عليها مقدمات لحفلة الجمعية الخيرية، وأنا كان عليا شيكات وقروض متظبطة على أساس سيولة العيلة اللي جاية!»
سيولة العيلة…
يعني أنا بالنسبة لهم ما كنتش بنتهم… أنا كنت مجرد «سيولة».
قلت بحزن: «أنتم كنتم ناوين تاخدوا فلوسي.»
أمي وقفت فجأة: «كنا هننسقها ونقودها لحد ما تكبري وما تخليش محامية سابقة تدحلب في دماغك!»
قلت لها: «أبلة نورا محامية جدي من عشرين سنة.»
ردت أمي: «نورا دي ست حشورة وعمرها ما بلعت أباكي!»
أبويا شاورلي على السلم وقال: «اطلاعي لمي حاجتك، أنا مش هتناقش… أنتِ اخترتِ الاستقلالية يا فريدة؟ اشبعي بيها.»
طلعت أوضتي من غير ما أنزل دمعة واحدة، وده فاجئني… يمكن جزء مني كان بدأ يقطع علاقته بيهم من امبارح بالليل.
الأوضة كانت هادية وغالية، بس فجأة بقت غريبة عليا. الشهادات، الميداليات، صندوق الموسيقى الفضة بتاع جدي… لميت هدومي، أوراقي الرسمية، اللاب توب، الصندوق، وتلات صور: وحدة مع جدي في إسكندرية، وواحدة ليا لوحدي يوم تخرجي من المدرسة، وواحدة لست الله يرحمها قبل ما تتعب.
حصري لصفحة روايات رولا