جوزي ندل حصري لصفحه روايات رولا

​— “الست اللي بالمنظر ده مابقتش زوجة يا شريف.. دي بقت حمل هيهد حيلك ويخرب بيتك.”
​طنط كريمة قالت الجملة دي في صالة بيتي، قدام عيالي الأربعة، وكأني مش موجودة.. كأن العكازين اللي في إيدي حكم بالإعدام مش مجرد وسيلة عشان أصلب طولي تاني.
​كنت واقفة جنب الكنبة، ورجلي بتترعش من المجهود. كنت لسه راجعة من المستشفى بعد تلات شهور بين عمليات، وعلاج طبيعي، وليالي الألم فيها ما خلانيش أغمض عيني. شعري كان ملموم كحكة تراب، وشي خاسس، وجرح كبير مستخبي تحت الهدوم، وفي حضني ملف طبي كاتبين فيه كل عذابي.
​جوزي، شريف رسلان، كان واقف على باب المطبخ.. باصص في الأرض ومابصليش.

ده كان الوجع الحقيقي.
مش قسوة أمه.. ولا نظرة عيالي اللي مش فاهمين.. ولا السكوت التقيل اللي مالي الشقة في 6 أكتوبر.
اللي وجعني بجد إن شريف ما نطقش وقال: “دي مراتي يا أمي، خط أحمر”.
​قبل الحادثة، شريف كان بيتكلم كتير.. عننا، عن عيالنا، عن الشقة اللي قسطنا فيها سنين، عن خطط توضيب المطبخ، وعن سفرية المصيف في جمصة اللي بنحوش لها. كان كلامه حلو لدرجة إني صدقته.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​عندنا أربعة: يوسف (11 سنة)، ياسين (9 سنين)، جنى (7 سنين)، ونور (3 سنين). كنت بشتغل من البيت نص وقت في مراجعة فواتير لمحل قطع غيار سيارات، وبقية اليوم مابين مدارس، لانش بوكس، طبيب أطفال، ترويق، وغسيل بنشره الفجر.
ما كنتش بشتكي.. كنت تعبانة بس كنت راضية، دي حياتي.
​لحد ليلة مطر، وإحنا راجعين من تمرين جنى، مقطورة فراملها فلتت على الدائري وخبطتنا من الجنب. جنى طلعت بكدمات بسيطة، أنا اللي شيلت الليلة.
صحيت بعد يومين في الرعاية المركزة، وشريف بيبكي جنب راسي ويقولي: “مش هسيبك يا ليلى، هنعديها ورجلك مش هي اللي بتحدد إنتي مين”.
​أول كام أسبوع كان تمام؛ يجيبلنا شوربة، يبوس راسي. بعدها بدأ يتأخر.. يتحجج بالشغل.. ويبعت أمه “تساعدني”.
طنط كريمة عمرها ما ساعدت. كانت بتدخل الأوضة وريحة برفيومها سابقاها، بشنطتها البراند وضوافرها المترتبة، وتتنهد كأني بعمل كدا عشان أضايقهم:
— “يا عيني عليك يا شريف.. لسه صغير وفي رقبتك أربع لحوم.”
​لما خرجت من المستشفى، كنت فاكرة الكابوس خلص.. بس طلع لسه بيبدأ.
البيت ما كنش فيه ريحة طبيخ، كان فيه ريحة “محاكمة”. حاجتي منقولة، هدومي محطوطة في أكياس سودا، وأوضة نومي مفروشة بملايات جديدة ما حدش خد رأيي فيها. طنط كريمة كانت بتدير البيت كأني ميتة ومستنيين يدفنوني بس.
​العيال جريوا عليا ونور عيطت لما شافت العكاز. يوسف ما نطقش، بس وقف ورايا وظهر بظهري، كأنه كبر فجأة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
تاني يوم، وأنا بحاول أطلع تلات عتبات للمطبخ وساندة على الحيطة، سمعت حماتي بتقول لشريف:
— “دي مش عيشة يا بني، إنت مش هتعيش تخدم عاجزة طول عمرك.”
​وقفت مكاني.. استنيت صوته.. استنيت “بس يا أمي”.. استنيت “دي شريكة عمري”.
بس ما سمعتش غير صوت الموتور بتاع التلاجة وصوت معلقة بتقلب الشاي.
سكوته كان أبرد من مطر ليلة الحادثة.
​تاني يوم، طنط كريمة جاتلي بـ “اقتراح” على شكل نصيحة: اروح أقعد فترة عند أخويا طارق في شقته القديمة لحد ما أتعافى عشان “ما ألخبطش حياة العيال”، وعشان شريف “يركز في شغله”.
“العيال ما ينفعش يشوفوا المنظر ده كل يوم.”
“المنظر ده” كان أنا.. رجلي.. وجعي.. ومحاولتي إني ما اقعش.
​بصيت لشريف.. عنيه كانت حمرا بس باصص في الأرض.
— “إنت كمان عايزني أمشي يا شريف؟”
ما ردش.
​فتحت ملفي الطبي، لميت بطاقتي وبطاقات العيال وشهادات ميلادهم وحطيتهم في شنطة ضهر. وطلبت من العيال يلموا هدومهم الأساسية.
يوسف شال شنطة، وياسين حضن كوتشيه القديم، وجنى حطت مريلتها في صمت، ونور ماسكة في جلابيتي.
خرجنا من باب الشقة وطنط كريمة واقفة في الصالة بتبص علينا بانتصار، كأنها بتنضف الشقة من كركبة ملهاش لازمة.
وشريف.. شريف ما وقفناش، حتى لما نور صرخت وهي نازلة على السلم: “بابا مش جاي معانا؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فضل واقف على الباب، بوقه مقفول وإيديه في جيبه.
​ساعتها ما كنتش أعرف إن رمية شريف لينا في الشارع ليلتها كانت أول خطوة في سكة خيانة أكبر بكتير.
​الجزء الثاني: بيوت الناس دار الشقا
​التاكسي نزلنا قدام عمارة أخويا طارق في شبرا، الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل. ما كنتش عرفته إني جاية عشان مكسوفة، وعشان كنت فاكرة إن الأخ باب مفتوح دايماً من غير إذن.
طارق فتح الباب وشه اتخطف، ومراته عبير ظهرت وراه بالروب والشنطة في إيدها.
​— “كام يوم بس يا طارق لحد ما أرتب أموري وأشوف مكان.”
طارق بص لعكازي، بعدين للعيال والشنط السودا:
— “ادخلوا.. ادخلوا يا ليلى.” بس الكلمة طلعت بالعافية.
​نمنا في الصالة، العيال متكومين على بطاطين في الأرض، وأنا نمت صاحية وساندة ضهري على الكنبة لأن جرح عمليتي كان بياكل فيا.
مع دقة الفجر، لقيت يوسف صاحي وواقف جنبي:
— “ماما.. أنا ممكن ما أفطرش عشان الأكل يقضي إخواتي.”
الكلمة دي قطعت في قلبي أكتر من خبطة المقطورة.
​حاولت ما أكونش تقيلة؛ كنت بغسل المواعين وأنا قاعدة على كرسي، وبطبق الغسيل ونور في حضني. بس عبير بدأت تزهق؛ تقفل الدرج بعنف، تبص لعلب الدوا بقرف، وتقول لطارق بصوت عالي وهي قاصدة أسمع:
— “أنا متجوزاك إنت مش متجوزة حضانة وعيادة!”
​في اليوم السادس، طارق خدني في السلم برة الشقة، وشه في الأرض:
— “ليلى.. الموضوع بقى صعب، وعبير مش طايقة البيت.”
— “يا طارق أنا لسه مش قادرة أمشي، وماعييش قرش، وشريف ما بعتليش جنيه.”
— “فاهم يا حبيبتي، بس أنا مش قد خراب بيتي ومشاكل مع مراتي.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​”مشاكل مع مراتي”.. ده الاسم الجديد لرمي أختك وعيالها في الشارع.
ما تحايلتش عليه. نزلت معاه، وخدنا في تاكسي وودانا لدار استضافة للمرأة المعنفة في المعادي اسمها “دار النور”. نزل الشنط، حضني ومشي وهو بيوعدني يكلمني.. وما اتصلش تاني.
​الدار ما كانتش كئيبة، بس كانت صعبة؛ مواعيد، أبواب بتتقفل، سراير مشتركة، وحكايات ستات تشبه حكايتي.
مديرة الدار، أبلة صفاء، استقبلتني بحنية ومن غير أسئلة تكسرني:
— “يا بنتي اللي بيجوا هنا ما جوش بمزاجهم، دول ناس اتقفلت في وشهم الأبواب.”
ليلتها عيطت وكتمت صوتي في المخدة عشان العيال ما يصحيوش.
​شريف كان بيبعت فلوس بالقطارة.. أسبوع آه وتلاتة لا. ولما أكلمه عشان مصاريف مدارس أو علاج يبعت رسالة جافة:
— “الظروف صعبة.”
— “أمي بتقول لازم تشيلي معايا شوية.”
أمه.. دايماً أمه.
​في الوقت ده، طنط كريمة كانت بتألف قصة تانية خالص في أكتوبر؛ عرفت بالصدفة إن جارتي القديمة عملتلي بلوك، وأم زميل جنى في المدرسة بقت تبصلي بشفقة غريبة لما تشوفني.
كانوا بيقولوا للناس إني هربت بالعيال عشان مش عاجباني عيشتي وعايزة أعيش براحتي وأخرب بيت اببها!
​ما كانش عندي وقت أدافع عن نفسي، كنت بحارب عشان نعيش.
قدمت في أشغال كتير، بس الكل كان بيبص للعكاز الأول قبل ما يبص للسي في: “الشغل محتاج حركة يا مدام”.
بالليل، لما العيال يناموا، كنت بقعد على كمبيوتر قديم في الدار؛ بدأت أتعلم كتابة محتوى، تظبيط صفحات سوشيال ميديا، وتصميم إعلانات بسيطة من فيديوهات يوتيوب.
كنت بنام ساعتين أو تلاتة في اليوم.
​يوسف بقى هو الراجل الصغير؛ يقفل الباب ورايا، يرتب جزم إخواته، ويخبي شنطة أوراقي تحت السرير.
مرة لقيته قاعد صاحي في الضلمة:
— “بتعمل إيه يا يوسف؟”
— “بضمن إن ما حدش يطردنا تاني يا أمي.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
حضنته وعيطت.. ما كنتش قادرة أوعده بحاجة لسه مش عارفاها.
​أبلة صفاء شافت شغلي وسهري، وقالتلي جملة غيرت حياتي:
— “إنتي مش بتدوري على شغل يا ليلى، إنتي بتبني مخرج طوارئ.”
​وفعلاً، بعد سنة وشهرين، مسكت شغل السوشيال ميديا لعيادة أسنان كبيرة، وقدرت أأجر شقة صغيرة في فيصل. شقة ضيقة وفيها رطوبة، بس يوم ما قفلنا بابها علينا، العيال صقفوا كأننا دخلنا قصر. لأول مرة نمنا من غير ما نستأذن حد في النفس.
​لحد ما جيت في يوم عند مدرسة جنى، وست جارة قديمة قالتلي بخبث:
— “كويس إنك وقفتي على رجلك يا ليلى.. بس حرام تسوقي السمعة دي على شريف وتقولي إنه طردك عشان تعبانة!”
ساعتها الدم غلي في عروقي.
هما استغلوا سكوتي عشان يعملوا مني الجانية وهو الضحية.
ليلتها طلعت الأوراق، رسايل الواتساب، إيصالات الإيجار، تقارير الدار، والرسالة اللي يوسف كتب فيها الأيام اللي نمنا فيها من غير عشا.
وما حستش بالخوف.. حسيت بالرغبة في الحق.
​الجزء الثالث: كلمة القاضي
​أول حد شاف ورقي كانت المحامية الأستاذة نهى، مكتبها كان في وسط البلد في دور رابع من غير أسانسير. طلعت السلم خطوة خطوة، بعكازي وعرقي بيسيل، بس كل خطوة كانت كأنها مسمار في نعش ضعفنا القديم.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
نهى شربتني مية وقالتلي:
— “إحنا مش هننتقم يا ليلى.. إحنا هنكتب الحقيقة على ورق رسمي ونطالب بحق ولادك.”
​الموضوع بدأ بقضايا نفقة، وإثبات طلاق للضرر بسبب الهجر والامتناع عن الإنفاق. شريف لما لقى المحضرين بيخبطوا عليه بدأ يبعت رسايل:
— “بلاش فضايح يا ليلى.”
— “أمي تعبانة بسبب اللي بتعمليه.”
— “ممكن نتفاهم ودي.”
رديت عليه وأنا بعمل عشا لعيالي:
— “كان قدامنا سنين نتفاهم ودي يا شريف.. إنت اللي اخترت السكوت.”
​يوم الجلسة في محكمة الأسرة، لبست دريس كحلي محترم، وخدت عكازي اللي مابقتش اتكسف منه.. ده بقى وسام شرفي.
شريف كان واقف مع محاميه، باهت وكبر عشر سنين، وطنط كريمة داخلة وراه بريحتها المزعجة ووشها المتضايق.
لما شافتني همست: “إيه لزمتها الفضايح دي قلة أصل صحيح”.
​الأستاذة نهى وقفت قدام القاضي، وقدمت المستندات: تقارير المستشفى، فواتير العلاج اللي دفعته لوحدي، جوابات دار المغتربات في المعادي، وإيصالات تحويلات شريف الهزيلة.
والأهم.. قدمت سكرين شوت لرسالة شريف لأمه قبل ما يطردنا بيومين كاتب فيها:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *