جوزي تحداني حصري لصفحه روايات رولا

جوزي اتحداني إني أسيبه، وكان متأكد إني مش هجرؤ أعملها؛ اتصدم ومبقاش عارف ينطق لما شافني ببدأ ألم هدومي في الشنط.
فريدة منصور كان عندها 34 سنة لما لقت وصل الفندق جوه جيب بدلة جوزها، وتاريخ الوصل كان في نفس الويك إيند اللي قال لها فيه إنه مسافر المنصورة عشان يطمن على والدته التعبانة.
ما صرختش.
ما عيطتش.
ما قطعتش الورقة ميت حتة.
طبقتها براحة وبكل هدوء، وكملت تقليب في الجيوب قبل ما تبعت الهدوم للمغسلة (الداري كلين)، وبعدها جهزت السفرة وحطت العشا زي كل ليلة في بيتهم اللي في الشيخ زايد، البيت اللي شريف الهواري كان دايماً شايف إنها المفروض تبوس إيدها وش وضهر إنها عايشة فيه.
البيت كان ريحته معطر غالي، والأرض بتبرق، وكل حاجة برة تبان هادية ومنظمة بالمسطرة. في الصالة، التلفزيون كان شغال وصوته واطي. شريف كان بيتكلم في التليفون في مكتبه، بصوته الدافي اللي فريدة مابقتش تسمعه تقريباً وهو بيكلمها.
على مدار 11 سنة جواز، فريدة اتعلمت تستنى.
تستنى لما يتأخر برة. تستنى لما يقول عندها اجتماعات لشغله. تستنى لما يكلمها كأنها شغالة عنده مش شريكة حياته. كانت بتستنى حتى لما كل حاجة جواها تصرخ وتقول لها إنها مش بتتخيل وإن في حاجة غلط.
مواجهة على السفرة
الساعة 8:15 بالثانية، شريف قعد عشان يتعشى.
موبايله كان محطوط جمب الطبق، قميصه مكوي ومفهوش غلطة، وفي عنيه الغرور والثقة بتاعة الراجل اللي متعود إن كل الناس بتصدقه ومحدش بيراجعه.
فريدة (وهي بتقدم السلمون بالبطاطس): “المنصورة كانت عاملة إيه؟”
شريف (من غير ما يرفع عينه حتى): “تمام.. أمي بقت أحسن الحمد لله.”
فريدة حطت السرفيس على الترابيزة وبصتله:
فريدة: “غريبة.. أصل ماريوت الزمالك بيقول عكس كده خالص.”
شريف وقف مضغ لثانية واحدة بس.
والثانية دي.. كانت كفاية جداً.
شريف: “أنتِ بتتكلمي عن إيه؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فريدة: “عن الوصل اللي لقيته في جيب بدلتك. ليلتين.. غرفة إيجزيكتيف (تنفيذية). نفس الويك إيند اللي المفروض كنت فيه مع طنط في المنصورة.”
ضحك ضحكة ناشفة وسخيفة:
شريف: “هو أنتِ بقيتي بتفتشي هدومي زي المباحث؟”
فريدة: “براجع الجيوب قبل ما تروح المغسلة، وبعمل كده من 11 سنة.”
شريف: “ما تبدأيش نكد يا فريدة.”
فريدة: “قولي بس كنت مع مين؟”
ملامح شريف اتغيرت تماماً، مابقاش متفاجئ، ملامحه بقى فيها لؤم وحسابات:
شريف: “كان اجتماع شغل.. والوقت سرقنا، وماكانش له لزمة أسوق وأرجع في وقت متأخر.”
فريدة: “أنت قلت لي إنك في المنصورة.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف: “غيرت خططي.. فيها إيه؟”
فريدة: “مع أنهي عميل؟”
شريف زق الكرسي لورا وقام وقف:
شريف: “أنا مش هسمح لك تستجوبيني في بيتي!”
فريدة (بصوت واطي ومن غير عصبية): “وده بيتي أنا كمان.”
شريف ساند ضهره على الكرسي وابتسم ببرود وقسوة:
شريف: “بيتك؟ فريدة من فضلك اعقلي.. أنا اللي بنيت كل ده، وأنا اللي كبّرت الشركة، وأنا اللي دافع ثمن العيشة دي كلها. أنتِ كل اللي عملتيه إنك حطيتي قرشين من كام سنة، ومن ساعتها عايشة الدور ومفكرة نفسك شريكتي في كل حاجة!”
فريدة حست بوجع في بطنها كأن حد ضربها.
القرشين!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فلوس تأمين وفشاة والدها الله يرحمه.
2 مليون جنيه استلمتهم بعد ما دفنته، وشريف طلبهم منها عشان يدخل بيهم في “مشروع كايرو ويست”، ووعدها وقتها إن الفلوس دي هتبقى “عشان تأمين مستقبلهم سوا”.
فريدة: “الفلوس دي كانت شقى أبويا.”
شريف: “الفلوس دي ماكانش ليها أي قيمة لولا إني خدتها وشغلتها وعملت منها اسم.”
الكلمة نزلت عليها زي القلم على وشها.
شريف قرب منها وقال لها بثقة وشماتة:
شريف: “عايزة تمشي؟ اتفضلي امشي.. وريني هتقعدي فين ولا هتعملي إيه. أنتِ ملكيش أي حاجة باسمك تشيلك، وملكيش مكان تروحيله، ولا ليكي عيشة أصلاً برة الـ أنا عملتهولك.”
فريدة وقفت مكانها مابتتحركش.
هو كان مستني دموع، عياط، عتاب، رجاء..
بس ملقاش أي حاجة من دي خالص.
لمت الأطباق، دخلت المطبخ حطتها في الحوض، وغسلت إيديها بالراحة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فريدة: “تمام.”
شريف: “تمام إيه؟”
قفت الحنفية، نشفت إيديها بالفوطة وبصتله لآخر مرة الليلة دي:
فريدة: “تمام.”
خطة المحللة المالية
الساعة 5:10 الصبح، فريدة صحيت قبل المنبه ما يرن. خدت دش، سرحت شعرها، ولبست بنطلون رمادي وبليزر أسود. شريف كان نايم في سابع نومة، وهو متأكد إنه كسب الجولة دي وزي كل مرة كسرها.
شربت قهوتها في صمت، وكلمت نهى رأفت، صاحبة عمرها من أيام جامعة القاهرة ومحامية أحوال شخصية شاطرة جداً.
فريدة: “نهى، أنا عايزة أعرف إيه اللي ليا قانوناً بالظبط.”
نهى ما سألتهاش “أنتِ متأكدة؟” لأنها عارفاها، سألتها على طول:
نهى: “إيه اللي حصل؟”
فريدة حكت لها كل حاجة: الوصل، الكدبة، العشا، والكلمة اللي قالها بالحرف: “ملكيش مكان تروحيله”.
نهى سكتت كام ثانية وبعدين قالت لها:
نهى: “فريدة، اسمعيني كويس. أوعي تحولي مليم واحد من الحسابات. أوعي تهدديه. أوعي تتخانقي معاه. كل اللي عليكي تعمليه إنك تجمعي ورق وتوثقي كل حاجة. كشوف حسابات، عقود الاستثمار، إيميلات، إمضاءات.. كل ورقة تقدري توصلي لها.”
فريدة: “أنا عارفة هعمل كده إزاي كويس.”
وده كان حقيقي.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فريدة كانت شغال محللة مخاطر مالية في بنك كبير في القاهرة. وظيفتها طول اليوم إنها تكشف النصب والاحتيال المالي اللي محدش بياخد باله منه: الحسابات المتجزأة، الموردين الوهميين، التحويلات المتكررة، والشركات الواجهة (السبوبة). كان عندها طول بال وبرود غريب يخليها تتبع الأرقام لآخر مدى لحد ما تجيب أصلها.
والصبر ده.. هو اللي كان هيحميها دلوقتي.
اليوم ده نزلت الشغل وكأن مفيش حاجة حصلت. راجعت التقارير، ولفتت نظر رئيسها لغلطة كبيرة في مراجعة الحسابات، فبص لها وقال لها:
المدير: “عاش يا فريدة.. دايماً عينك بتجيب التايهة.”
فريدة: “شكراً يا فندم.”
المواجهة الأولى والشنطة المفتوحة
الساعة 6:40 المغرب، لما شريف رجع البيت، لقى فريدة فاتحة شنطة سفر كبيرة على السرير وبتلم حاجتها.
شريف: “أنتِ بتعملي إيه؟”
فريدة: “بلم هدومي.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف بص لها كأنه مش فاهم اللغة اللي بتتكلم بيها:
شريف: “فريدة، بلاش مبالغة وقلة عقل.. الـ حصل امبارح ده كان مجرد خناقة عادية.”
فريدة: “عادية بالنسبة لك أنت.”
شريف: “يعني هتمشي وتخربي بيتك عشان حتة وصل فندق؟”
قفلت الشنطة وقالت له وهي بتبص في عنيه:
فريدة: “لأ.. أنا ماشية عشان لأول مرة صدقت كل كلمة أنت قلتها امبارح.”
وقف عند الباب وقال بثقة:
شريف: “هترجعي.. مسيرك هترجعي.”
فريدة مسكت شنطة إيدها، واللاب توب، وشدت شنطة السفر:
فريدة: “مش قبل ما أعرف أنت سرقت مني كام بالظبط.”
الملامح الواثقة على وش شريف اتهزت لأول مرة:
شريف: “احترمي نفسك واعرفي بتقولي إيه.”
فريدة: “أنت اللي كان لازم تاخد بالك.”
تتبع الخيط والسرقة
أوضة الفندق كانت صغيرة، نضيفة، ومالهاش أي ذكريات معاها. فريدة حطت الشنطة جمب الشباك، فتحت اللاب توب، ودخلت على حساب الاستثمار المشترك اللي بينها وبين شريف.
بدأت بعقد الشراكة الأصلي.
إمضاها وإمضاء شريف كانوا هناك. الحساب كان مشترك. في الصفحة الرابعة: مبلغ الإيداع الأولي 2 مليون جنيه مصري، ومصدره وثيقة تأمين المرحوم حسين منصور (والدها).
بعدها فتحت كشوف الحسابات وحركة المبالغ.
في الأول، كل حاجة كانت باينة طبيعية. أرباح، عوائد، تحويلات استثمارية لشركات تانية. بس من حوالي 14 شهر، ظهر أول تحويل غريب ومريب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
500 ألف جنيه رايحين لحساب شركة اسمها “أفق مصر للاستشارات ش.م.م”.
فريدة ضيقت عنيها وركزت.
كملت نزول في الكشف..
750 ألف..
400 ألف..
مليون جنيه..
600 ألف..
900 ألف..
كلهم رايحين لنفس الشركة!
إجمالي المبالغ: 4 مليون و150 ألف جنيه.
محدش بيحول المبالغ دي كلها من حساب مشترك بالصدفة أو غلطة سيتستم.
دخلت على موقع السجل التجاري تدور على شركة “أفق مصر”.
الشركة دي اتأست في نفس الشهر اللي حصل فيه أول تحويل للفلوس.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
والممثل القانوني وصاحب الحق في التوقيع كانت: نادين عز الدين.
فريدة فتحت صفحة ثانية على جوجل ودورت على الاسم.
نادين عز الدين، 31 سنة، مديرة قطاع التطوير والتوسع في شركة الهواري للمقاولات (شركة شريف). صورتها بروفيشينال، لابس بليزر أبيض، وابتسامتها واثقة ومثالية. هي نفس الست اللي ظهرت مرتين مع شريف في حفلات الشغل، وكان دايماً بيقدمها لفريدة على إنها “العقل المدبر والدينامو بتاع التيم”.
فريدة غمضت عنيها.
الموضوع ماكانش مجرد خيانة زوجية..
دي كانت خطة ومصلحة مترتبة.
شركة وهمية معمولة مخصوص عشان يهرب فيها الفلوس.. فلوسها هي، وشقى أبوها اللي مات.
كشف المستور
تاني يوم الصبح، نهى المحامية جاتلها الفندق ومعاها قهوة، وملف كبير، ونظرة الست اللي شافت بلاوي في المحاكم ومبقتش تتفاجأ بسهولة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
نهى: “كلي الأول وبعدين نتكلم.”
فريدة: “مش قادرة، ماليش نفس.”
نهى: “أنا مش باخد رأيك.. كلي.”
بعد ما فريدة أكلت كام لقمة بالعافية، نهى فتحت الملف:
نهى: “نادين دي مش مجرد ممثل قانوني للشركة.. دي شريكة ومؤسسة وكمان بتمضي على كل حاجة. وبصي بقى على البند ده في عقد التأسيس.”
فريدة قرت الكلام بتركيز.
البند كان بيقول إن شركة “أفق مصر” ليها الحق في استقبال حصص رأس مال وضخ مبالغ بدون الحاجة لتقديم مستندات رسمية تفيد بمصدر الأموال، بشرط إنها تدخل فوراً في الحساب التشغيلي للشركة.
فريدة: “هي اللي مضت على البند ده بنفسها.”
نهى: “بالظبط. وبحكم منصبها وشغلها، هي عليها مسؤولية جنائية ومهنية إنها تراجع مصدر الفلوس دي وتتأكد منها. لو قالت ماعرفش فدي مصيبة وإهمال، ولو كانت عارفة فدي جناية اشتراك في تبديد أموال ونصب.”
فريدة بصت لإمضاء نادين.. كانت إمضاءة منمقة وواثقة جداً.
فريدة: “شريف كان مرتب لكل ده من بدري قوي.. من قبل ما أكتشف موضوع الفندق بكتير.”
نهى: “آه فعلاً.”
فريدة افتكرت الأيام اللي كانوا بيقعدوا فيها يتعشوا في صمت، تليفوناته المريبة اللي كان بيقفلها أول ما تدخل الأوضة، وافتكرت كام مرة خلاها تحس إنها مجنونة وبتتوهم وبتغير بزيادة لما تسأله عن أي حاجة. وافتكرت كمان صوت أبوها الله يرحمه وهو بيقول لها: “يا بنتي اوعي تأمني لراجل وتلغي عقلك، وماتخليش حد يكسرك”.
زيارة للحماة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في اليوم اللي بعده، فريدة راحت تزور الحاجة هدى، والدة شريف.
الست كانت عايشة في شقة كلاسيك وراقية جداً في مصر الجديدة، الشقة ريحتها خبيز وبخور وهادية. فتحت الباب والهم باين على وشها:
الحاجة هدى: “فريدة يا بنتي! اتفضلي ادخلي.”
قعدوا سوا في المطبخ، والست الكبيرة كانت ماسكة مج القهوة بإيديها الاتنين وبتترعش:
الحاجة هدى: “شريف كلمني من كام أسبوع.. وقال لي إن الأمور بينكم مش تمام بقالها فترة. قال لي إنك بقيتي باردة ومعاملتك ناشفة ومابقتيش تهتمي بيه، وإنه حاسس بوحدة.”
فريدة هزت راسها بابتسامة وجع:
فريدة: “يعني كان بيفرش السكة وبيجهزك ويشوه صورتي قدامك قبل ما أنا أعرف أي حاجة.”
الحاجة هدى: “في إيه يا بنتي؟ فجعتيني.”
فريدة طلعت من شنطتها صور كشوف الحسابات، عقد تأسيس شركة “أفق مصر”، وصور التحويلات بالتواريخ والمبالغ.
ما اتكلمتش بدموع ولا بدراما ومثلتش دور الضحية؛ اتكلمت كأنها بتعمل تقرير تفتيش في البنك.
التواريخ.
المبالغ.
الإمضاءات.
ومصدر الفلوس الأصلي.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
لما فريدة جابت سيرة فلوس تأمين والدها، الحاجة هدى حطت إيدها على بوقها من الصدمة:
الحاجة هدى: “دي.. دي فلوس حاج حسين الله يرحمه!”
فريدة: “أيوا يا طنط.”
الست الكبيرة ملامحها انكسرت وبان عليها العجز في دقيقة واحدة:
الحاجة هدى: “ابني أنا يعمل كده؟ ابني كدب عليا أنا كمان واستغلني كقناع؟”
فريدة ما حاولتش تطيب خاطرها بكلام فورت ومالوش لزمة، بس طبطبت على إيدها براحة:
فريدة: “كان لازم تعرفي الحقيقة يا طنط.”
هدم المعبد على دماغه
في نفس اليوم بالليل، فريدة اتصلت بـ المهندس محمود الشناوي، المستثمر والممول الرئيسي لـ “مشروع كايرو ويست”.
فريدة: “يا بشمهندس، أنا محتاجة أقابل حضرتك ضروري قبل ما تمضوا عقود الإغلاق المالي للمرحلة الجديدة. في فلوس وضخ مالي داخل في المشروع وحضرتك مش عارف مصدرها إيه بالظبط.”
المهندس محمود وافق وقابلها تاني يوم الساعة 7 الصبح في كافيه هادي.
فريدة راحت ومعاها ملفين اتنين. أول ما قعد، مهدتش للموضوع، دخلت في المضمون على طول.
ورته عقد الحساب المشترك، التحويلات لشركة نادين، ثغرة بند التأسيس، والطريق اللي الفلوس مشيت فيه لحد ما دخلت مشروعه كأنها حصة شخصية لشريف.
المهندس محمود قرا الورق في صمت تام. كان راجل كبير في السن، شعره أبيض، وملامحه حادة وصعبة التفسير. بس أول ما وصل لورقة تأمين الأب والمبالغ المسحوبة، حط الورق على الترابيزة وبص لها: