القعيد حصري لصفحه روايات رولا

​أبويا وأمي وأختي ماتوا على رواحهم من الضحك في فرحي. أبويا تريق عليا وقال: “طبعاً، ما هو مفيش حد عاجز هيتجوز إلا واحدة فاشلة زيها”. أنا وطيت راسي والناس والمعازيم كلهم بقوا مش على بعضهم ومحرجين. بس فجأة، العريس شد فرامل الكرسي المتحرك، ووقف على رجليه طول بعرض، وكشف حقيقة صدمت الكل وخليت التلاتة يخرجوا من الفرح مفلسين، ومتهزأين، وبيتمنوا الرضا وبيموتوا عشان يسامحهم.
​الضحكة الأولى طلعت قبل ما ألحق أخلص وعود الجواز. والتانية طلعت من أبويا نفسه، وكانت عالية لدرجة إنها سكتت ميتين فرد من المعازيم.
​ورفع كاس الشمبانيا في وش عريسي وهو بيستهزأ بيه: “طبعاً، ما هو مفيش مقعد هيتجوز إلا واحدة فاشلة زيها”.
​أمي دارت ضحكتها بإيديها اللي مليانة مجوهرات. أما أختي الصغيرة، فانيسا، مكلفتش نفسها حتى تداري ضحكتها.
​كنت واقفة تحت الورد الأبيض وإيديا بتترعش وهي ماسكة البوكيه. وجنبي، أدريان كان قاعد بمنتهى البرود على كرسيه، وإيد من إيديه ساندة على الفرامل. ملامحه متوجعتش ولا اتغيرت خالص.
​وده كان أكتر حاجة بتخوفهم وميعرفوهاش.
​بقالي تلاتين سنة وعيلتي بتدربني إزاي أختفي وماليش وجود. فانيسا أخدت المدارس الخاصة، ولبس البراندات، وفي الآخر منصب نائب رئيس شركة “ميرسر للتصنيع”. أما أنا، فكان نايبي الانتقاد، والشغل اللي من غير فلوس، والتلطيش بكلمة “إنتي معندكيش غريزة نجاح ولا بتعرفي تدوسي على حد”.
​بس اللي عمرهم ما قالوه، إني أنا اللي صممت نظام التنبؤ والتحليل اللي موقف شركتهم على رجليها ومخليها عايشة.
​من تلات سنين، اكتشفت إن أبويا كان بيزود في فواتير الشراء عشان ياخد قروض من البنوك. ولما جيت أحذره، طير التقرير من إيدي على الأرض.
​وقال لي: “إنتي مجرد محللة يا كلير. إلزمي حدودك ومتقعديش تفتي”.
​فانيسا لَطشت السيستم والبرنامج بتاعي ونسبته لنفسها، وبعدها طردتني بحجة “العصيان وقلة الأدب”. وأبويا وأمي قالوا للناس كلها إني جالي انهيار عصبي وتعبانة عقلياً.
​قابلت أدريان بعد ست شهور في حفلة خيرية تابعة لمؤسسة تأهيل. قال لي إنه اتصاب في حادثة وهو بيتسلق جبال. كان بيسمعني باهتمام كبير أوي وأنا بتكلم عن سلاسل التوريد، والديون، والنصب اللي بيحصل في الشركات. عمره ما قاطعني، وعمره ما حسسني بالشفقة.
​كمان ركز في الأسئلة اللي مفيش مخلوق غيره سألها: ليه أرباح شركة “ميرسر” كانت بتزيد كل ما اسمي يظهر في الملفات القديمة؟ وليه كل التحديثات الناجحة في السيستم وقفت بعد أسابيع قليلة من يوم ما فانيسا طردتني ورمتني بره من غير إنذار؟
​ولما جه يتقدم لي، عيلتي فجأة افتكرتني وبقت مهتمة بيا.
​افتكروا إن أدريان غني وهيصرف على توسيع شركتهم، وفي نفس الوقت ضعيف وهيحركوه زي العروسة اللعبة. أبويا عزم المستثمرين في الفرح، وأمي صممت تشوف قائمة المعازيم بنفسها، وفانيسا كانت بتعاكس أدريان عيني عينك وبتهمس له وتقول له: “لسه قدامك الفرصة تختار الأخت الناجحة والشاطرة”.
​سيبتهم يصدقوا كل كذبة على مزاجهم.
​وإحنا واقفين في الفرح، أدريان التفت ليا وقال: “تحبي أوقف الليلة دي كلها دلوقتي؟”
​بصيت لأبويا وأمي اللي كانوا منفوخين على الآخر من الغرور تحت نجف القاعة.
​همست له وقلت: “مش دلوقتي.. سيبهم يكملوا للآخر”.
​أبويا قرب خطوة كمان، وهو مستمتع بشكل الإحراج اللي مالي المكان.
​وقال: “كلير طول عمرها بتلم الحاجات المكسورة. الكلاب الضالة، المشاريع الفاشلة الميتة، ودلوقتي اتجوزت راجل مش عارف حتى يقف جنبها”.
​معازيم كتير داروا وشهم من الكسوف.
​إيد أدريان قفلت فرامل الكرسي المتحرك بكل عزم.
​وفجأة، أبواب القاعة الكبيرة اتفتحت، ودخل اتناشر راجل من كبار المديرين التنفيذيين ببدل سودا من غير ما حد يعزمهم.
​أبويا حواجبة اتعقدت واستغرب.
​أما أنا، فضحكت وابتسمت لأول مرة في اليوم ده….
الراجل اللي كان يقود المجموعة هو “صمويل برايس”، المستشار القانوني الرئيسي لشركة “ميرسر للتصنيع”. ووراه دخل ممثلين من تلات بنوك، وشركتين للاستثمار المباشر، وأكبر عميل للشركة.
​ابتسامة أبويا بدأت تختفي وقال: “صمويل؟ إيه ده؟”
صمويل مردش عليه، مشي علطول ناحية “أدريان” وسلمه ملف أسود.
وقال له: “كل حاجة اتنفذت.. الملكية اتنقلت الساعة تسعة الصبح النهاردة.”
​”فانيسا” ضحكت بسرعة وتوتر: “ملكية إيه بالظبط؟”
“أدريان” فتح الملف من غير ما يبص فيه وقال: “شركة ميرسر للتصنيع.”
​القاعة كلها مابقاش فيها نفس.
أمي قفشت في دراع أبويا، وهو قعد يبص لـ”أدريان” وبعدها لـ”صمويل”، كأنه مستني حد يقول إن دي تمثيلية.
وقال: “ده مستحيل.. المقرض الرئيسي بتاعنا وعنده أغلبية الأسهم عمره ما يوافق على البيع.”
​صمويل رد عليه: “هم اللي طلبوا كده.. بعد ما راجعوا أدلة الاحتيال، وتزوير المخازن، وتحويل فلوس القروض لحتت تانية.”
​وش أبويا خشب وبصلي: “كلير!”
أنا مقولتش حاجة.
​بقالي تمن شهور برجع وببني الملفات والبيانات اللي هو أمر الموظفين يمسحوها. ومجموعة الاستثمار بتاعة “أدريان” كانت بتشتري ديون الشركة المتعثرة من البنوك في الساكت. كل ما أبويا يستلف أكتر عشان يمول التوسعات الطايشة بتاعة “فانيسا”، “أدريان” يشتري حتة جديدة من السلسلة اللي بتخنقهم.
​هم كانوا فاكرينني مشغولة في ترتيب ورد الفرح والكراسي..
وأنا كنت برسم خريطة الحسابات والفلوس رايحة فين وجاية منين.
​”فانيسا” زقت المعازيم وشاورت بإيدها في وشي وزعقت: “أنتي سرقتي معلومات سرية!”
رديت عليها: “لأ.. أنا حافظت على أدلة اتعملت وأنا لسة موظفة في الشركة، وبعدها قدمتها عن طريق المستشار القانوني بعد ما لجنة المراجعة بتاعتكم طنشت الشكوى بتاعتي.”
زعقت “فانيسا”: “إحنا معندناش لجنة مراجعة أصلاً!”
عيني صمويل لمعت وقال: “بالظبط كده.”
​صوت همس وهمهمة ملأ القاعة الكبيرة.
أبويا حاول يسيطر على الوضع تاني، رفع كاسه وبص للمستثمرين وقال: “دي خناقة عائلية.. شركة ميرسر لسة بتكسب، وبكرة كل الهبل ده هيتلغي.”
​واحد من بتوع البنك قرب خطوة وقال: “قروضكم اتلغت وبقت واجبة الدفع الفوري من الصبح.”
وزود عليه واحد تاني: “والضمانات الشخصية بتاعتكم هتتنفذ.”
​أمي شهقت، ووش “فانيسا” بقى أبيض زي الأموات من الخوف.
ورغم كل ده، أبويا لسة متمسك بتكبره وقال: “أدريان محتاجنا.. هو اشترى شركة ميعرفش يديرها.”
​هنا “أدريان” ابتسم أخيراً.
وقال: “شركتكم مابقتش بتاعتكم من شهور أصلاً.. وأنا مشتريتهاش عشان المصانع، أنا اشتريتها عشان نظام اللوجستيات اللي كلير صممته، السيستم اللي بنتك ادعت إنها هي اللي عملته.”
​بوق “فانيسا” اتفتح من الصدمة.
وأدريان كمل كلامه: “تحليل الكود المستقل بيثبت إن كلير هي اللي كاتبة كل سطر أصلي في السيستم ده. النسخة بتاعتكم فيها إمضاءات منقولة، وتواريخ ملعوب فيها، ومخالفات لحقوق الملكية.”
​”فانيسا” همست وهي بترتعش: “ده ميثبتش حاجة.”
صمويل رد: “ده يثبت كفاية جداً عشان الدعوى المدنية اللي اترفت امبارح.. وكفاية جداً لبلاغ النصب في السوفت وير اللي اتسلم للمحققين الفيدراليين.”
​أمي لفت وبصتلي بغل: “إزاي تعملي كده في أختك؟”
حطيت عيني في عينها وقلت لها: “بنفس الطريقة اللي هي عملتها بيا.. بالهداوة وبالمسطرة. بس الفرق إني كنت بشيل المستندات.”
​”فانيسا” هجمت عليا، بس الأمن وقف في النص وفصل بيننا.
صوت أبويا وطي خالص وقال: “قولي السعر اللي أنتي عايزاه.”
​بصيت لـ”أدريان” وهو هز رأسه بالموافقة.
قلت لأبويا: “أنا حددت السعر خلاص.. الحقيقة، وقدام كل الناس اللي أنت عزمتهم عشان يتفرجوا عليا وأنا بتهان.”
​المصيدة قفلت عليهم قبل ما يستوعبوا أصلاً إنهم واقفين جواها.
أبويا بص حواليه في القاعة، وعينيه كانت بتلف بين المستثمرين اللي بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني، وبين رجال الشرطة الفيدرالية اللي واقفين مستنيين عند الباب. الضحكة الغبية اللي كانت على وشه من شوية اختفت تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي.
​”كلير.. أرجوكي، إحنا ممكن نتفاهم.. الشغل شغل، بس الدم عمره ما يبقى مية،” أبويا قالها وصوته بيتيرعش وعينيه مليانة رجاء.
​بصيت له بكل برود وقلت: “الدم ده هو اللي خلاك ترميني برة شركتك وتتهمني بالجنون عشان تحمي سرقة بنتك.. الدم ده مفرقش معاك وأنت بتعايرني بجوزي قدام الناس.”
​في اللحظة دي، “أدريان” ساب فرامل الكرسي تماماً، ومشي خطوتين لقدام بثبات هز القاعة كلها. وبص لأبويا وقال له بصوت جهوري: “شركة ميرسر من النهاردة اسمها (منصة كلير للوجستيات).. وكل الأصول، والمصانع، وحتى الفيلا اللي أنتوا عايشين فيها، بقت ملكنا لسداد الديون الفورية. قدامكم 24 ساعة تخلوا المكان.”
​”فانيسا” وقعت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا وتبوس إيدين “صمويل المحامي” عشان يلاقي لها مخرج قانوني، بس صمويل بعد إيده عنها وقالها: “التزوير عقوبته السجن يا آنسة فانيسا.. مفيش مخرج.”
​أمي بدأت تصرخ وتشد في مجوهراتها اللي مابقاش ليها قيمة، وبقت تبصلي وهي بتبكي وتتوسل: “سامحينا يا بنتي.. إحنا غلطنا في حقك.. متمشيناش مكسورين ومفلسين قدام الناس!”
​أنا مبصيتلهومش تاني. لفت ضهري ومسكت إيد “أدريان”، وبصيت للمدعوّين وقلت بصوت عالي وواضح: “بشكركم جميعاً لحضوركم فرحنا.. البوفيه مفتوح، بس للأسف، عيلتي لسه عندهم مشوار طويل مع التحقيقات والمحاكم.. اتفضلوا استمتعوا بوقتكم.”
​خرجت أنا وأدريان من القاعة وإحنا ماسكين إيدين بعض، ورأسنا مرفوعة لفوق، وسبناهم ورا ظهرنا.. متبهدلين، ومفلسين، وبيترجوا السماح من البنت اللي طول عمرهم حاولوا يخلوها تختفي. وطبعاً، العدالة أخدت مجراها، وأبويا وفانيسا أخدوا جزاءهم القانوني، والشركة بدأت عهد جديد باسمي وبإدارتي أنا وأدريان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *