اولاد زعيم المافيا

زعيم المافيا كان فاكر إن ولاده المحتضرين محتاجين دكاترة لحد ما ست مكسورة دخلت وفتحت الشباك، وكل حاجة بدأت تتغير.
لما الدكتور قال ل آدم الحديدي إن ولاده فاضلهم أقل من أسبوعين في الدنيا
كانت دي أول مرة أخطر راجل في البلد ينسى إزاي يتنفس.
ما صرخش.
ما كسرش حاجة.
وما هددش الدكتور
مع إن ناس كتير اتأذت قبل كده بسبب أخبار أقل بكتير.
هو بس فضل واقف في الجناح الطبي اللي بناه جوه قصره
بيبص على السريرين الصغيرين اللي نايمين عليهم توأمه
وحس إن حاجة جواه اتكسرت.
ابنه ياسين كان نايم على جنبه
ومادد إيده الرفيعة ناحية السرير اللي جنبه.
حتى وهو نايم
كان بيدور على أخته.
أما ليلى
فكانت باصة للسقف بعينين نص مفتوحين.
تعبانة لدرجة إنها مش قادرة ترمش.
ولا تشتكي.
ولا حتى تبقى طفلة.
السرطان أخد شعرها
عشان ولاده ماينفعش يتعالجوا في مستشفى عادي.
كان يقدر يشتري أي حاجة.
يقدر يخوف أي حد.
لكن
ماقدرش يمنع المرض.
وماقدرش يأمر الموت يبعد عن بنته.
فجأة
مش بإيده.
تاني يوم.
القصر كله بقى شبه بيت عزا.
الستاير مقفولة.
الناس بتتكلم بالهمس.
الحراسة واقفة
لكن مفيش حد قادر يحارب المرض.
محدش بيطبخ للأطفال.
لأنهم مبقوش بياكلوا.
محدش بيفتح الشبابيك.
ولا بيشغل موسيقى.
ولا حتى بيضحك.
كل الناس
كانت مستنية النهاية.
لحد ما وصلت داليا حسن.
شايلة شنطة قديمة.
ولابسة بالطو رمادي رخيص.
وعينيها
شايلة وجع أكبر من عمرها.
عندها سبعة وعشرين سنة.

لا معاها شهادة كبيرة.
ولا واسطة.
ولا فلوس.
ولا حتى حد تستند عليه.
كانت جاية تقدم على وظيفة رعاية للأطفال.
بعد ما أكتر من ممرضة سابت الشغل وهربت أول ما عرفت اسم صاحب البيت.
لكن داليا
ما هربتش.
عند أول بوابة
وقفها اتنين حراسة.
وفتشوا شنطتها.
لقوا
هدوم.
رواية.
وملف أوراق.
ولا حاجة تانية.
واحد منهم سألها
خايفة؟
بصتله وقالت
لأ.
ماكانتش شجاعة.
كانت الحقيقة.
بعد ما شافت ابن أختها بيموت قدامها
مبقاش فيه حاجة تخوفها.
دخلت القصر.
كان ضخم.
بارد.
وشكله أقرب لحصن.
ريحة المطهرات مالية المكان.
استقبلتها مديرة البيت.
مدام ناهد.
وقالت
إنتِ فاهمة إن الشغل هنا مش طبيعي؟
ردت داليا
أنا أصلًا ما بدورش على الطبيعي.
قالت الست
ولا ممرضة قدرت تكمل هنا.
ابتسمت داليا.
وأنا مش جاية كممرضة بس.
وهي ماشية
لمحت عند باب الجناح الطبي.
جزمتين صغيرين.
واحدة زرقا.
وواحدة بينك.
وجنبهم
دبدوب واقع على الأرض.
انحنت.
شالته.
ونفضت التراب عنه.
وضمته لصدرها.
مديرة البيت بصتلها باستغراب.
وقالت
البيت ده
بقى مستني الموت.
محدش هنا بقى بيحاول ينقذ حد.
بصت داليا ناحية باب أوضة الأطفال.
وقالت بهدوء
يمكن المشكلة
إنكم استسلمتوا.
بعد شوية
طلع راجل ضخم.
اسمه محمود.
الذراع اليمين لآدم.
فتح ملفها.
وبص فيه.
وقال
معندكيش شهادة كاملة.
ولا شغل ثابت.
ولا أهل.
ولا أي حاجة.
رفع عينه ليها.
وقال
إنتِ معندكيش حاجة.
ردت من غير ما ترمش
عندي اللي يكفي.
فضل يبصلها شوية.
ودخل عند آدم.
رجع بعدها بدقايق.
وقال ببرود
الباشا رفض.
اتفضلي امشي.
لكن داليا
ما اتحركتش.
رفع حاجبه.
وقال
إنتِ ما سمعتيش؟
داليا ما اتحركتش، بالعكس، سحبت نفس عميق وبصت لمحمود في عينيه بثبات خلى الراجل القوي اللي بيخاف منه رؤساء عصابات يتردد للحظة.
قالت بهدوء مرعب أنا سمعت، بس أنا مش جاية عشان الباشا يوافق. أنا جاية عشان ياسين وليلى ما عادوش قادرين يستنوا موافقات. الموت مش بيستأذن حد، وأنا مش هستأذن حد عشان أنقذ طفلين بيموتوا بسبب القهر مش بس المرض.
محمود ضحك بسخرية تستأذني؟ إنتِ فاكرة نفسك فين؟ ده آدم الحديدي، اللي بيعوز حد يخلص عليه، بيخلص عليه قبل ما يرمش. اتفضلي من غير مطرود قبل ما أخرجك بطريقتي.
داليا ما سكتتش، رفعت صوتها بس من غير زعيق، صوت واثق وصل لجوه أوضة آدم قوله إن اللي شافت ابن أختها بيغرق في عينه ومقدرتش تعمله حاجة، مش هتسمح لنفسها تشوف أطفال تانيين بيضيعوا وهي قادرة تعمل حاجة.. قوله إن اللي ملوش حاجة، مفيش حاجة تكسره!
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
آدم الحديدي ظهر. ملامحه كانت محفورة بحزن السنين، عيونه حمراء، وقميصه كان مفتوح ومكرمش. بص لداليا نظرة واحدة، نظرة كفيلة إنها تمحي أي حد من الوجود، بس داليا ما نزلتش عينيها.
قال آدم بصوت أجش إنتِ مين عشان تقولي اللي ملوش حاجة مفيش حاجة تكسره؟ إنتِ عارفة أنا خسرت إيه؟
ردت داليا من غير خوف خسرت كل حاجة، بس ولادك لسه هنا. هما لسه بيتنفسوا، وده معناه إن المعركة لسه مخلصتش.
آدم بصلها بتركيز، كأنه بيدور على كدبة في عينيها وما لقاش. أشار لمحمود بإيده إنه يرجع لورا.
دقيقة. قالها آدم وهو بيدخل أوضة ولاده.
دخلت داليا وراه. الأوضة كانت مكتومة، ريحة الأدوية والمعقمات خانقة. ياسين وليلى كانوا غايبين عن الوعي.
داليا ما اتجهتش للأجهزة، ولا للتقارير الطبية. اتجهت للشبابيك اللي كانت مقفولة ومغطاة بستائر تقيلة. فتحت الشباك، شالت الستائر، دخل ضوء الشمس الحقيقي والهواء اللي ريحته مطر.
آدم زعق إنتِ بتعملي إيه؟ الدكتور قال إنهم محتاجين جو معقم!
داليا وهي بتفتح درج التلاجة الصغير اللي فيه أدوية، بتبص للحاجات المرمية، وبترتبها وبترمي الورق القديم الدكتور قال إيه؟ الدكتور استسلم! الأطفال دول مش محتاجين أوضة عمليات، محتاجين حياة. محتاجين يسمعوا صوت العصافير، محتاجين يشموا ريحة الشجر، محتاجين حد يحسسهم إنهم لسه أطفال، مش مجرد حالات طبية مستعصية.
بصت لآدم اللي كان واقف مذهول من طريقتها ممكن تخرج؟ ولادك دلوقتي محتاجين داليا.. مش محتاجين آدم الحديدي.
آدم وقف مصدوم، محدش في حياته كلها تجرأ يكلمه كدة، ولا حتى يطرده من مكانه. بس في اللحظة اللي ليلى حركت إيديها فيها بسبب حركة الهوا اللي دخل، آدم سكت.
خرج آدم من الأوضة، ووقف ورا الباب.
داليا قعدت جنب السرير. مسكت إيد ياسين، وبدأت تحكي. ما كانتش بتحكي حكايات ممرضات، كانت بتحكي حكايات عن أبطال خياليين في غابة بعيدة، حكايات عن مغامرات، كانت صوتها فيه حيوية وطاقة خلت ياسين يفتح عينه ببطء.
ليلى، اللي كانت بقالها يومين مابتتكلمش، بصت

لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *