حكايات مني السيد

صفحة روايات و اقتباسات…
الكلمة نزلت عليهم زي المية الساقعة. حماتي بلمت وبصت له وهي مش مصدقة ودنها
أنت بتقول إيه؟
مصطفى كمل بكلام زي الرصاص
بقولك اغضبي.. لو رضاكي عني معناه إني أكون مغفل، وأسلمك رقبتي وحياتي عشان تدوسوا عليها، يبقى أنا مش عايز الرضا ده. أنا عمري ما قصرت معاكي، ولا أكلت حق حد فيكم، وكنت بقطع من قوتي وقوت مراتي عشان أرضيكم. لكن توصل بيكم الدرجة إنكم تستغلوا طيبتي وعايزين ترموني في الموت وفي الديون عشان مصلحتكم؟ لأ لحد هنا وولاد مصطفى ماتوا.
أحمد اتكلم بسرعة يا أبيه بس الغرامة والحبس..
مصطفى قاطعه برفع إيده
الشقة دي مكتوبة باسم أمك يا أحمد، وهي اللي مأجراها، والمسؤولية عليها. أنا قُلت للحاج عبد العزيز إني هساهم بنصيبي بما يرضي الله كابن من الأبناء، لكن إني أشيل الليلة كلها وأصلح خرابة لوحدي عشان ترموني فيها بعد كده؟ ده في مشمش. اتفضلوا بره بيتي.
شيماء زعقت بتطرد أمك وأختك يا مصطفى؟
مصطفى فتح باب الشقة على آخره وشاور بإيده لبره
بطرد اللي جايين يخربوا بيتي ويهدوا حياتي. اتفضلوا من غير مطرود، ورجليكم م تعتبش البيت ده تاني لحد ما تعرفوا قيمتي وتعرفوا يعني إيه أصول.
حماتي خرجت وهي بتدعي وتصوت وتقول يا خسارة شقايا فيك.. يا رب تشوفه في دنيتك وشيماء وراها بتبرطم، وأحمد خرج وهو بيبص لمصطفى بنظرة ندم وخزي.
قفلنا الباب وراهم، ومصطفى سِند ضهره على الباب وغمض عينه. رحت وقفت جنبه، مسكت إيده، لقيتها تلتج بس ثابتة. بصلي وقال
أنا كبرت يا منى.. كبرت أوي النهاردة.
قلت له أنت راجل وسيد الرجالة يا مصطفى، واليوم ده هو بداية حياتنا الحقيقية من غير غش ولا خداع.
عدى شهر كامل.. الشهر ده كان أهدى شهر عشناه في حياتنا. مصطفى ركز في شغله وجاب شغل إضافي بس المرة دي الفلوس كانت بتدخل بيتنا، شيلنا قرشين على جنب، وسددت الفلوس لصاحبتي صابرين، والحياة بدأت تبتسم لنا.. لحد ما في يوم، ومصطفى في الشغل، تليفوني رن.. المرة دي كانت شيماء أخته!
رديت باستغراب عايزه إيه يا شيماء؟
صوت شيماء مكنش فيه العياقة والشر بتاع زمان، صوتها كان بيموت من العياط والخوف، وقالت بكلام متقطع
الحقيني يا منى.. الحقيني وقولي لمصطفى.. أمي اتقبض عليها في القسم وأحمد اتمسك معاها والمقاول نصب عليهم والعمارة اتقفلت.. إحنا في مصيبة وملناش غير مصطفى…!!!
الدنيا لفت بيا تاني، والمصيبة المرة دي كانت أكبر من مجرد شقة مهدومة… لكن اللي حصل في القسم والصدمة اللي مستنيانا هناك كانت فوق أي خيال وووو…!!!!!
حكايات_مني_السيد
الفصل الرابع والأخير
قفلت السكة مع شيماء وإيدي بترتعش، مش خوف عليهم، لكن من الصدمة. الناس دي مابتتعلمش أبدًا؟ كل ما يخرجوا من حفرة يقعوا في دحديرة، وفي الآخر مابيلاقوش غير مصطفى اللي كانوا عايزين يكسروه من كام أسبوع!
كلمت مصطفى في التليفون وحكيت له اللي شيماء قالته. سمعني وهو ساكت، أخد نفس طويل وقال لي جهزي نفسك يا منى، أنا جاي أخدك ونروح نشوف في إيه.. مش عشانهم، عشان ربنا ما يوقعناش في ضيقة، وعشان أقفل الصفحة دي معاهم وأنا عيني مليانة ومحدش ليه عندي فضل.
لبست ونزلنا، وطول الطريق للقسم مصطفى مكنش بيتكلم، بس نظرة عينه كانت مختلفة.. مكنش فيها الكسرة بتاعة زمان، كان فيها جمود ورزانة راجل عارف هو بيعمل إيه ومحدش يقدر يلوى دراعه تاني.
أول ما دخلنا القسم، لقينا شيماء قاعدة على جنب وبتعيط ومبهدلة، وأحمد واقف ووشه في الأرض وعينه حمرا من كتر الخزي. وحماتي.. حماتي اللي كانت بتدخل شقتي وتزعق وتهد الدنيا، كانت قاعدة على دكة خشب، وشها أصفر، وضهرها محني، كأن السنين كلها ظهرت عليها في لحظة واحدة.
أول ما شيماء شافت مصطفى، جريت عليه ومسكت في هدومه وهي بتعيط
الحقنا يا أبيه! المقاول اللي أمي جابته عشان يرمم الشقة من ورا الحي طلع نصاب ومعهوش ترخيص، وأخد الفلوس وهرب بعد ما هد حيطة زيادة والعمارة شرخت،
وصاحب البيت جاب الشرطة ومجلس المدينة وعملوا قضية مباني بدون ترخيص وتخريب منشأة، وحبسوا أمي وأحمد!
مصطفى زق إيدها بهدوء ووقار، وبص لأحمد وقال له
الكلام ده بجد يا أحمد؟
أحمد هز راسه وهو بيبكي
أيوه يا أبيه.. أمي مكنتش عايزة تدفع تمن الترميم الأصلي اللي الحي قال عليه، فراحت جابت مقاول من تحت السلم قالها هخلصك بمبلغ قليل ومن غير تراخيص، والنتيجة إننا لبسنا في حيطة سد، وصاحب العمارة مش عايز يتنازل إلا لو دفعنا تمن تلفيات العمارة كلها، وإحنا معندناش مليم.. طردونا من الشقة وقفلوا العمارة بالشمع الأحمر!
حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
مصطفى سابهم وراح وقف قدام أمه. حماتي رفعت عينها وبصت له، كنت فاكرة إنها هتصرخ فيه أو تكابر، لكنها بكيت.. بكيت بصوت واطي وقالت
هتنقذني يا مصطفى؟ مش هتهون عليك أمك تبات في الحجز؟
مصطفى وطى لمستواها، وقال بنبرة هادية بس توجع
أنتِ هونت عليكِ حياتي وسلامتي يا أمي لما كنتِ عايزة تقعديني في الخرابة دي عشان تقع عليا أنا ومراتي؟ هونت عليكِ كرامتي لما خليتي أختي تبهدلني في وسط الصالون عشان ألفين جنيه؟
حماتي خفضت راسها ومقدرتش ترد. مصطفى التفت للمحامي اللي كان واقف مع صاحب البيت، وبدأ يتكلم معاه ويفهم أبعاد القضية. الموضوع كان كبير وفيه غرامات وتعهدات بالإصلاح الفوري على حسابهم تحت إشراف مهندس نقابي.
بعد ساعات من اللف والكلام والاتفاقات، مصطفى قدر يوصل لحل ودي.. هيدفع كفالة لإخلاء سبيلهم مؤقتًا، ويمضي على تعهد بصفته مهندس أو مسؤول بالتضامن لترميم التلفيات اللي حصلت، وصاحب البيت وافق يتنازل عن الشق الجنائي مقابل تعويض مالي للدور اللي تحتهم.
طلعنا من القسم، وحماتي وأولادها ماشيين ورا مصطفى كأنهم تلامذة وراه. مكنش حد فيهم قادر يرفع عينه في عينه. وقفنا في الشارع، ومصطفى التفت لهم وقال بصوت حاسم
الكفالة والتعويض اللي اتدفعوا دول، أنا دافعهم من شقايا وشغل برة دمي اتصفى فيه، ودول قرشين كنت شيلهم للزمن أنا ومراتي.. مش هقولكم ردّوهم لي لأن أنا عارف إنكم معندكمش حاجة تردوها. بس من النهاردة.. كل واحد فيكم في طريق.
حماتي مسكت إيده وهي بتعيط
يا ابني سامحني.. الشيطان عماني وكنت عايزة أستر أخوك الصغير وجيت عليك.
مصطفى سحب إيده بالراحة وقال
سترك لأخويا ميكنش بخراب بيتي يا أمي. أنا سامحتك لوجه الله عشان مشيلش غل في قلبي، وعشان مراتي تعيش مرتاحة ونضيفة من جوة. الشقة القديمة خلاص راحت وصاحب البيت هياخدها لأنها مبقتش تصلح للسكن، وأحمد يشوف له شقة إيجار جديد ويبدأ حياته زي ما كل الناس بتبدأ.. من الصفر. شقتي أنا ومراتي خط أحمر، ورجليكم مش هتعتبها إلا في المناسبات الرسمية وبأصول.. غير كده، كل واحد في حاله.
أحمد وطى على إيد مصطفى وباسها وهو بيقول
حقك عليا يا أبيه.. أنت سيد الرجالة وفوق راسنا كلنا.
وشيماء وقفت تعتذر وتعيط وتتأسف لي، بس أنا اكتفيت بابتسامة هادية.. الأعذار مابتمسحش الكسرة، بس الأيام بتعلم الواحد إزاي يحط حدود تحميه.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
ركبوا تاكسي ومشيوا على بيت أختهم شيماء يقعدوا هناك مؤقتًا، ومصطفى أخدني
في حضنه وإحنا واقفين مستنيين عربيتنا. بص في عيني وقال لي
تعبتك معايا يا منى.. وشيلتك هموم م لكيش ذنب فيها.
مسكت إيده وقلت له
تعبك تعبي يا مصطفى، وإحنا مابنبيعش في أول محطة. المهم إننا خرجنا من المحنة دي وإحنا واقفين على رجلنا، وشقتنا فضلت لينا وأماننا زي ما هي.
رجعنا بيتنا.. شقتنا الجميلة اللي تشطيبها جديد وعفشها جديد، الشقة اللي كل ركن فيها شاهد على ضحكة وتعب ودموع. دخلنا وقفلنا الباب ورايا، وحسيت لأول مرة بإن الهوا جوة البيت بقى خفيف ونضيف.. مفيش مؤامرات، مفيش غل، مفيش طمع، ومفيش ناس بتبص للقمة اللي في إيدك وعايزة تآخدها منك بدم بارد.
مصطفى دخل وعمل كوبايتين شاي، وقعدنا في الصالون نتونس زي اليوم الأولاني.. بس المرة دي وإحنا مطمنين إن مفيش خيط تاني هيتجر، وإن الصفحة القديمة اتقفلت واتحرقت تمامًا. وبصينا لبعض وإحنا عارفين إن الأصول والحق دايماً بيكسبوا في الآخر، وإن اللي بيتقي الله في بيته وشريك حياته، ربنا بيقف معاه وبيضهر حقه وستر بيته قدام الدنيا كلها.
توتة توتة، خلصت الحدوتة.. بس حكايتنا في الحفاظ على بيتنا وحقنا لسه مستمرة كل يوم بالحب والأصول.
تمت بحمد الله
حكايات_مني_السيد