اخي

أخويا أحمد نزل رسالة على جروب العائلة على الواتساب بيعلن فيها إن ولاده الثلاثة هيكونوا عندي في البيت الساعة 7 الصبح، عشان طيارته لأسوان هتطلع الساعة 9.
​ما استأذنّيش.. هو قرر بالنيابة عني وخلاص!
​عشان كده، وقبل الشمس ما تطلع، كنت مغيره كوالين البيت كلها. ولما وقف على باب شقتي يحاول يدخل مفتاح ستّي القديم في الباب، المفتاح ده كان أول حاجة في عيلتنا ترفض أخيرًا إنها تمشي على هواه.
​الرسالة المستفزة
​الرسالة وصلتني ليلة الخميس وأنا واقفة في المطبخ، وماسكة كوباية قهوة كانت سِخنت وبردت من كتر التفكير.
​أحمد: العيال هيكونوا عند ليليان بكرة الساعة 7 الصبح. طيارتنا الساعة 9. هتقعد بيهم لحد يوم الأحد.
​دي كانت الرسالة بالملي.
​لا فيها “لو سمحتي”.
​لا فيها سؤال.
​لا فيها تمهيد.
​أمي ردت أول واحدة:
«تمام يا حبيبي، ينوروا. ليليان بتموت في العيال أساسًا.»
​أبويا بعت إيموجي لايك 👍.
​وبعدها مروة، امرأه أخويا، بعتت قلوب وإيموجيات بتضحك وصورة لشنط السفر وهي متبستفة.
​وقفت متنحة للشاشة، وبصيت حولي في شقتي الصغيرة اللي في مصر الجديدة.. الشقة اللي قعدت أحوش قرش على قرش 7 سنين عشان أعرف أشتريها، وبصيت لزرع النعناع اللي على البلكونة، ومفرش الكروشيه بتاع ستّي “راتبة” اللي لسه محطوط على الترابيزة.
​الشقة دي كلفتني شقا، ونبطشيات زيادة في الشغل، ومصايف اتلغت، وإجازات قضيتها بدهن الحيطان وبصلح السباكة بنفسي عشان أوفر.
​بس بالنسبة لعيلتي، عشان أنا لسه متجوزتش وماعنديش عيال، ف أنا في نظرهم “فاضية”.. وفاضية دي يعني “متاحة لخدمتهم” في أي وقت.
​الكيل طفح
​أنا بحب ولاد أحمد جدًا؛ مروان، وهنا، وياسين. عيال عسل وشقاوة وبيموتوا فيا، وعارفين مكان الألوان والـ “بان كيك” في المطبخ فين بالظبط. عمرهم ما كانوا هما المشكلة.
​المشكلة كانت إن حبي ليهم اتحول ببطء لـ “سبوبة” رعاية أطفال ببلاش الكل بيستغلها.
​لسنين طويلة، لغيت مواعيد دكاترة، واجتماعات مهمة في الشغل، وخروجات مع صحابي، وحتى سفرية للجونة ألغيتها عشان أحمد ومروة فجأة “مزنوقين ومحتاجين مساعدة”.
​لما كنت بقول “لأ”، أمي تقولي: «أنانية ومابتحبيش الخير لأخوكي.»
​لما كنت بطلب يبلغوني قبلها بفترة، أبويا يقولي: «الدم عمره ما يبقى مية يا ليليان، وإحنا ملناش غير بعض.»
​ولما كنت بشتكي، أحمد يقولي: «إنتي بتعملي دراما من مفيش.»
​فسكتّ.. وبقيت أشتري شيبسيهات وحاجات حلوة، وأعملهم فطار، وأبلع في ضيقتي لحد ما حستها حجر جاثم على نفسي.
​وصية ستّي راتبة
​بس المرة دي غير. من 3 أسابيع بس، ورق الشقة اللي ستّي ورثتهالي رسميًا خلص. ستّي راتبة سابتلي الشقة دي بالذات وقاصدة.
​جوه درج الدولاب القديم، لقيت جواب متداري في ظرف أصفر. وفي جملة كتباها ستّي فضلت معلمة في دماغي:
​«الشقة دي لازم تفضل بيت وراثة وسكن ليكي، مش مخزن للعيلة، ولا ملجأ طوارئ يرموا فيه كراكيبهم وعيالهم، ولا مكان تضيع فيه ليليان وتدوب جوه خطط ومصالح غيرها.»
​قريت السطر ده كذا مرة لدرجة إن الورقة دابت تحت إيدي.
​ساعتها كلمت قفلجي.. الأقفال كانت قديمة، ونص العيلة معاهم نسخ منها؛ في الأدراج، في الشنط، في الميداليات. أحمد معاه نسخة، وأمي معاها اتنين، ومروة أكيد معاها نسخة.
​كانوا شايفين ده عادي، “بيت ليليان ده بيت العيلة يعني ملوش صاحب”. بس ستي مكانش قصدها كده أبدًا.. ولا أنا كمان.
​الصدمة على باب الشقة
​ليلة الخميس، بعد ما رسالة أحمد وصلت، ماردتش على الجروب. كلمت الأستاذ فريد، المحامي بتاع تركة ستّي. رد عليا في ثواني وقال بالنص: «يا ليليان يا بنتي، أنا كنت مستني مكالمتك دي من زمان.» رد المحامي خلاني أقعد وأفكر.. هو كان فاهم، يمكن مش عارف موضوع سفرية أسوان، بس عارف الطريقة اللي أهلي بيعاملوني بيها، وستّي كمان كانت عارفاها.
​الساعة 6:15 الصبح، القفلجي كان عندي.
على الساعة 6:42، الباب الأمامي بقى فيه قفل ذكي (ديجيتال) برقم سري، وباب المطبخ ركبله كالون جديد، والمفتاح الاحتياطي اللي تحت دواسة الباب شيلته.
​الساعة 6:58، كنت واقفة ورا الباب وبصيت في شاشة كاميرا الإنتركم.
​عربية أحمد الـ SUV الفضية وقفت تحت البيت. أحمد نزل الأول، لابس لبس السفر ومستعجل وعلى آخره. ومروة قاعدة في التكييف وحاطة نظارة شمس وماسكة كوباية الماكياتو بتاعتها.
​العيال نزلوا من ورا، عيونهم منفوخة من النوم وشعرهم منكوش وشايلين ميكي وبطاطين صغيرة. قلبي وجعني أول ما شوفتهم.
​أحمد طلع، وقف قدام الباب، وطلع مفتاح ستّي القديم وبيحاول يدخله.. المفتاح مابيلفش. جرب تاني.. مفيش فايدة.
​ضحكته الواثقة اختفت، وبص للكالون بذهول، وبعدين بص للكاميرا وزعق بصوت بيحاول يخليه هادي: «ليليان! افتحي الباب خلصينا.. ورانا ميعاد طيارة!»
​دوست على زرار الإنتركم وقلت:
«صباح الخير يا أحمد. أنا مش فاضية الويك-إند ده.»
​ولأول مرة في حياتي، ماوقعتش في فخ “أنا آسفة”.
​مروة زعقت من شباك العربية تحت:
«جرى إيه يا ليليان؟ مش وقت قمصك ده خالص، إحنا دافعين ركنة العربية في المطار أسبوع مقدم!»
​بصيت للعيال اللي واقفين على السلم وقلت:
«الموضوع ملوش دعوة بالولاد.. العيال دي ذنبها إيه إن أهلها مابيعرفوش يخططوا لحياتهم وبيقضوا أمورهم بالفهلوة؟»
​عروق أحمد برزت من الغضب، وفي لحظة موبايلي بدأ يتهز ومبطلش رن.
أمي بتصل.. أبويا بيبعت.. جروب العيلة اشتعل:
«ليليان افتحي الباب!» «بلاش فضايح قدام الجيران!» «حرام عليكي العيال واقفة في الساقعة على السلم!»
​أخدت نفس طويل وهادي، وبعتّ صورة واحدة بس على جروب العيلة. مابعتش جواب ستّي كله، بعتّ السطر اللي ستّي كانت حاطة تحتيه خطين أحمر:
​«بيت ليليان مش خطة بديلة للناس اللي مابتعرفش تعمل لنفسها خطة.»
​الجروب مات.. لمدة 11 ثانية محدش نفس.
​فجأة، موبايل أحمد في إيده رن.. بص على الشاشة، ولأول مرة من الصبح، أحمد مابقاش شكله غضبان.. بقى شكله مرعوب!
​لأن اللي كان بيتصل بيه في اللحظة دي هو الأستاذ فريد المحامي.. وستّي الله يرحمها مكانتش سايبالي الشقة بس، دي كانت سايبة لأحمد وعيلتي “مفاجأة قانونية ثانية” في الميراث تخص استغلالهم، والمحامي كان هيقراها عليهم حالا
اسم “عيلة الشناوي” ده جاي من ناحية أمي. جدي الله يرحمه هو اللي بنى “ورش الشناوي للمقاولات” من مجرد ورشة تصليح صغيرة قريبة من النيل كانت بتخسر. كان بينزل بنفسه في عز المطر يصلح الطلمبات، ويسلك شبكات الصرف في السيول، وبعد كده حول جزء من المبنى القديم لمركز تدريب يعلّم فيه الشباب اللي محتاجين فرصة ثانية في الحياة عشان يأكلوا عيش.
​كان دايماً يقولي: «الاسم يا ياسمين مش لقطة ولا وجاهة اجتماعية.. الاسم ده عهد ووعد.»
​أخويا أحمد سمع كلمة “وجاهة”.
أما أنا، فسمعت كلمة “عهد”.
​عشان كده طلعت مهندسة مدني في المحافظة، مخصصة شغلي كله في شبكات تصليح مياه الأمطار، ومخرات السيول، وحماية البيوت من الغرق. أحمد كان دايماً يتريق عليا ويسميني “مهندسة المجاري”. وفي عز عزومات العيلة، الكل كان بيضحك لما كان يقعد يتمسخر على شغلي ونزولي الشارع..
​الكل كان بيضحك.. ما عدا جدي.
أحمد كان واقف تحت بيت ستّي والذهول مسيطر عليه وهو ماسك الموبايل على ودنه، وصوت الأستاذ فريد جاي من السماعة حاد وقاطع:
​«أهلاً يا أحمد يا ابني.. أنا شايفك من الكاميرات واقف قدام باب الشقة. تحب أوفر عليك المجهود؟ المفتاح اللي معاك مش هيلف، لأن الشقة مبقتش ملكية مشاعة، دي بقت ملك ياسمين لوحدها بيع وشراء بعقد مسجل من أسبوعين بطلب من ستّك الله يرحمها.»
​أحمد صوته تيرعش وقال: «يعني إيه؟ دي شقة عيلة! والورث..»
​قاطعه الأستاذ فريد: «ستّك الله يرحمها سابتلي وصية واضحة، وشرط جزائي في باقي التركة اللي لسه متوزعتش.. الورش والأراضي اللي في القليوبية. النص بالنص بينك وبين ياسمين.. بشرط! إنك لو ضايقتها أو حاولت تفرض وصايتك عليها أو تستغلها، نصيبك كله من باقي الأملاك يروح لجمعية خيرية لإعادة تأهيل الشباب.. الورشة اللي إنت كنت شايفها “مضيعة للوقت”، ستّك ربطت ورثك بإنك تحترم أختك وشغلها.»
​نهاية الفهلوة
​أحمد نزّل الموبايل من على ودنه وبصلي وفكه سقط من الصدمة. مروة مراته نزلت من العربية وهي بتزعق: «في إيه يا أحمد؟ الطيارة هتفوتنا! اخلص!»
​أحمد بصلها وبص للعيال اللي واقفين ميتين من الساقعة على السلم، وقال بصوت حزين ومكسور: «مفيش أسوان يا مروة.. اركبي العربية.. هنرجع البيت.»
​أمي وأبويا على الجروب مبقوش عارفين يكتبوا إيه، الرسائل وقفت تمامًا، والجروب بقى عامل زي المدافن.
​لأول مرة في حياتي، قفلت شاشة الموبايل، دخلت المطبخ وعملت لنفسي كوباية قهوة تانية سخنة. وبصيت من الشباك على عربيتهم وهي بتبعد وتختفي في شوارع مصر الجديدة.
​لأول مرة، حسيت إن البيت ده فعلاً بقى بيتي.. وملاذي.. ومش خطة بديلة لحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *