خلف زجاج الحضانه مشيره محمد

خرجت من المكتب وأنا في حالة صدمة، مش قادرة أستوعب اللي شوفته. أمي، ست الكل، اللي ربتني، حاولت تقتل بنتي؟ ده كابوس، ده أكيد كابوس.
رجعت عند حضانة سما، بصيت عليها وهي نايمة، بريئة ومسالمة، مش عارفة إن جدتها كانت عايزة تنهي حياتها. مسكت إيدها الصغيرة، وقطعت وعد على نفسي إني هحميها من أي حد، حتى لو كانت أقرب الناس ليا.
فات يوم، وأنا قاعدة جنب الحضانة، مش بتحرك. أبويا وأختي اتصلوا كتير، بس مكنتش قادرة أرد عليهم. كنت خايفة أسمع صوتهم، خايفة من كدبهم ونفاقهم.
الباب اتفتح، ودخلوا هما التلاتة. أمي كانت في المقدمة، وشها باين عليه التوتر والغضب، أبويا وراها بملامحه الجامدة، وأختي بتبص ببرود.
قمت وقفت قدامهم، سديت الطريق ناحية الحضانة. أمي زعقت نادية مش بتردي على مكالماتي ليه إحنا في عيد ميلاد اختك كل العيلة سألت عليكي ازاي مجيتيش
ضحكت ضحكة هيستيرية، ضحكة مافيهاش ولا ذرة فرح. قلت لها عيد ميلاد؟ ده إنتي ممثلة هايلة يا ماما لا بجد برافو عليكي.
أبويا قرب وقال بتهديد لمي الدور يا نادية، في ايه وبعدين انتي احرجتينا قدام الناس.

بصيت في عينيهم التلاتة واحد واحد، وقلت بصوت واثق وقوي، رغم الرعشة اللي كانت في قلبي متقلقش انا مش هحرجكوا أنا هعمل حاجة تانية خالص
طلعت الموبايل من جيبي، وفتحت تسجيل الفيديو اللي الممرضة بعتته لي. وقفت قدامهم، وشغلت الصوت.
صوت أمي كان واضح في الأوضة الهادية، كلماتها السامة بتتردد في الهواء يا ريتك ما جيتي، يا ريتك اختفيتي من حياة العيلة دي، كل مشاكلي بسببك إنتي وأمك، لو مش موجودة الدنيا هتبقى أسهل بكتير.
وبعدين شفتهم بيبصوا على بعض في ذهول، وشهم بدأ يصفر، وألوانهم راحت. كملت الفيديو، شفت أمي وهي بترفع إيدها وتتحكم في الأكسجين.
في اللحظة دي، أمي انهارت على ركبتها، وبدأت تعيط وتصرخ لأ! لأ! ده مش حقيقي! ده تزوير! إنتي ..انتي شيطانة يا نادية
أبويا وأختي كانوا في صدمة، مش قادرين ينطقوا. أبويا اتسند على الحيطة، وأختي رجعت لورا بخطوات مهزوزة، كأنهم مش مصدقين إن الست دي هي اللي عايشين معاها طول حياتهم.
قلت لها بصوت مليان ألم وقهر أنا شيطانة؟ طب و إنتي اللي كنتي هتموتي حفيدتك بدم بارد؟
أختي قالت بصوت مهزوز ماما.. إنتي بجد عملتي كده؟
أمي بصت لها بدموع وتوسل يا بنتي.. أنا كنت مضغوطة.. كنت حاسة إن الدنيا كلها ضدي.. أنا ماكنش قصدي.. أنا…
قاطعتها بصريخ وقلت ماكانش قصدك؟ وشوفتي الدكتور وهو بينقذها؟ شوفتي الإنذار؟ ده كان إيه؟ صدفة؟
أبويا اتنفس بصعوبة وقال نادية.. تعالي نتفاهم بره.. هنفهم
قلت له بصوت حازم أنا ماعدش عندي كلام معاكم. كل واحد فيكم أثبت لي إنه مايعرفش معنى العيلة. كل واحد فيكم كان بيشارك أمي في ظلمها ليا
بصيت لأمي اللي كانت قاعدة على الأرض، منهارة بالبكاء، وقلت لها أنا مش هبلغ عنك يا ماما. مش عشان بحبك، ولا عشان مسامحاكي بس عشان بنتي، عشان ما أبقاش سبب في دخول جدتها السجن. بس ده آخر يوم هتشوفي فيه وشي وده آخر يوم هعتبرك فيه أمي.
لفيت ضهري ليهم، ورجعت ناحية حضانة سما. سمعت صوت أبويا وأختي بيحاولوا يقنعوا أمي إنها تقوم، وصوت أمي المنهارة بالبكاء.
ماكنتش قادرة أسمعهم، ماكنتش عايزة أسمع أعذارهم. كانت بس بنتي هي اللي في بالي، وبرائتها اللي أنقذها القدر من شر أقرب الناس ليها.
بعد فترة، اتصلوا بي كتير، بعتوا رسائل اعتذار، طلبوا يزوروا سما. بس أنا كنت قفلت الباب ده نهائياً. غيرت رقم الموبايل، وعنوان السكن، بدأت حياة جديدة أنا وسما ومريم، حياة بعيدة عن النفاق والكذب، حياة مليئة بالحب والأمان.
سما كبرت، بقت طفلة ذكية وجميلة. كل ما أبص عليها، بشكر ربنا إنه أنقذها، واداني القوة إني أواجه الحقيقة وأحميها.. علمتني إن العيلة مش بس دم، العيلة هي الحب والاحترام والأمان. علمتني إن الحب الحقيقي مش بيطلب تضحيات مؤلمة، بل بيقدم تضحيات عشان سعادة اللي بنحبهم. علمتني إن الشجاعة مش في السكوت على الظلم، بل في المواجهة والدفاع عن الحق.
وبعد سنين، وأنا قاعدة مع مريم وسما في حديقة البيت، وبشوفهم بيلعبوا وبيضحكوا من قلبهم، جات لي رسالة على الموبايل. فتحتها، وكان رقم غريب.
الرسالة كانت بتقول سامحيني يا نادية.. أنا عرفت غلطتي.. أنا بحبك إنتي والبنات والله ماهقدر استغنى عنكم
مسحت الرسالة، وقفلت الموبايل. ماكنش عندي مساحة في قلبي للكراهية ولا للغفران. كان عندي بس مساحة للحب والحياة، الحياة اللي اخترتها أنا وسما ومريم، حياة بعيدة عن ماضي مؤلم، حياة مليئة بالأمل والسعادة.
تمت. روايات مشيرة محمد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *