ورث الحاجه روكا مشيره محمد

​أنا قضيت طفولتي كلها متمرمط في ملجأ ومؤسسات رعاية. أمي رمتني في المستشفى أول ما اتولدت، وأبويا كان مقضيها سجون. مكش ليا أي حد في الدنيا.
​ولما كبرت والدار طردتني عشان السن، بدأت أشتغل أي شغلانة والسلام في منطقة على قدها.. وهناك، شافتني جارتي العجوزة، الحاجة “روكا” (عندها 85 سنة)، وخدت بالها مني.
​قالت لي: “يا بني، لو عايز تعمل قرشين حلوين، تعالى ساعدني.. وهنـتفق على أرضية ومرضيّين.”
​وإحنا بنشرب كوبايتين شاي كشري، قالت لي إن أيامها في الدنيا معدودة. لا عندها أهل ولا أصحاب. وقالت لي لو خدت بالي منها وخدمتها ذمّة وضمير، هكتب لك كل اللي حيلتي.
​قلت لها: “اتفقنا.. شبر لأ ومـد ومداد.”
​وبدأت فعلاً.. أنزل أشتري لها طلبات البيت والنداهة، أغير لها اللمبات المحروقة، وأرتب لها شريط الدوا في العلبة البلاستيك مقسمة من السبت للجمعة.
​في يوم، لقيتها غازلة لي شراب صوف أخضر شكله استغفر الله العظيم، وزقته في إيدي.
​قالت لي: “ده عشانك.. عشان رجليك متسقعش في الشتا.”
​عملت نفسي مش مهتم، وقلت في سري “إيه الذوق ده!”.
​بس مع الوقت، بقينا نقعد كل يوم بالليل ندردش. هي تحكي لي عن زمان، وأنا أحكي لها عن غلبي. ولأول مرة من عشرين سنة، حسيت إن فيه بني آدم في الدنيا فارق معاه أنا روحت البيت ولا لسه صايع في الشوارع.
​وفي يوم الصبح، دخلت لقيت الحاجة “روكا” قاعدة على كرسيها الهزاز المفضّل، والتلفزيون شغال على برنامج قديم وصوته واطي..
​كانت خلاص.. سابت الدنيا وهي نايمة.
​يوم قراية الوصية، اتصدمت! البيت راح لجمعية خيرية.. وفلوسها في البنك راحت للجامع.. والدهب والمجوهرات راحوا لبنت أختها اللي مأعتبتش بابها من ست سنين!
​أنا مأخدتش مليم.. الأبيض ولا الإسود!
​ولا حتى ورقة بكلمتين شكر.
​رجعت البيت ونمت نومة أهل الكهف من الزعل.. وتاني يوم لقيت الباب بيخبط رزع.
​فتحت، لقيت محامي لابس بدلة واقف قدامي، وفي إيده علبة غدا صاج قديمة ومصدمة.
​قال لي: “الحاجة روكا سابت تعليمات واضحة.. وفي الحقيقة، هي سابت لك حاجة واحدة بس.”
​فتحت العلبة، لقيت جواها مفتاح، وظرف مكتوب عليه اسمي “حسن” بخط إيدها المرتعش.
​أول سطر في الجواب كان بيقول:
​”يا حسن، أنت أكيد دلوقتي هتموت من الغيظ وتقول عليّ واكلت حقك وسيبتلك الهوا.. بس وحياة غلاوتك عندي، اللي شايلالهولك هيشقلب حالك ويغير حياتك مية وثمانين درجة!”
​قبل ما عيني تيجي على السطر التاني.. ركبي سابت، ولقيت نفسي ساجد على الأرض من الصدمة!
:#روايات_مشيره_محمد
​ ركبي مش شايلاني، ونبضات قلبي بتخبط في صدري زي طبلة المسحراتي. المحامي—وكان راجل وقور اسمه الأستاذ “شاكر”—فضل واقف يبص عليّ بنظرة هادية، فيها حزن وفيها غموض مش مفهوم.
​مسحت عيني، وقمت وقفت على رجلي بالعافية، وإيدي بتترعش وأنا بمسك الورقة عشان أكمل قراية السطر التاني من جواب الحاجة “روكا”:
​”يا حسن.. أنا عارفة إن الناس هتقول عليك غبي، وهيقولوا إن العجوزة خرفت وضحكت عليك. بس أنا لا خرفت ولا نسيت وقفتك جنبي. المفتاح اللي في العلبة ده، مش مفتاح قفل صاج، ده مفتاح شقة في عمارة ‘البرنس’ اللي في وسط البلد.. الشقة الدور الرابع، نمرة 12. الشقة دي باسمك يا حسن من ست شهور، ومفيش مخلوق يعرف عنها حاجة. انزل دلوقتي، وافتح الدولاب اللي في أوضة النوم الكبيرة.. هتلاقي هناك ورثك الحقيقي.”
​بصيت للأستاذ شاكر وأنا مبرق، مش مصدق وداني ولا عيني.
“أستاذ شاكر.. الكلام ده بجد؟ يعني الحاجة روكا مضحكتش عليّ؟”
​الأستاذ شاكر ابتسم ابتسامة خفيفة، وطبطب على كتفي وقال:
“يا حسن، المرحومة مكانتش ست سهلة، وكانت قارية الناس كلها. هي كانت عارفة إن قرايبها طمعانين فيها، وعارفة إن لو كتبت لك الشقة أو الفلوس في الوصية الرسمية، قرايبها مش هيرحموك، وهيرفعوا عليك قضايا ويقولوا إنك استغليت كبر سنها وضحكت عليها. عشان كده، عملت لك عقد بيع وشراء نهائي ومسجل في الشهر العقاري من ست شهور، وشالت العقد والمفتاح عندي في المكتب، وأجبرتني مأقولش كلمة واحدة لحد ما الوصية الرسمية تتفرز وتتوزع، عشان يبان قدام الكل إنك مأخدتش حاجة، ومحدش يطاردك.”
​دموعي نزلت من غير ما أحس. مش عشان الشقة، ولا عشان الفلوس.. عشان طلعت غالي عندها. عشان الست دي طلعت بتفكر في حمايتي حتى وهي بتموت.
​—
​أخدت المفتاح والعلبة الصاج، وجريت على محطة المترو. كنت حاسس إن الناس كلها بتبص عليّ، أو إن الشنطة اللي في إيدي مكشوفة. ركبت ونزلت في محطة وسط البلد، وفضلت أدور على عمارة “البرنس”. كانت عمارة قديمة من طراز فرنسي، من العمارات اللي جدرانها تحس إنها شايلة تاريخ القاهرة كله.. واسعة، وسلالمها رخام، وليها أسانسير قديم بقفص حديد.
​طلعت الدور الرابع، ووقفت قدام الشقة نمرة 12. إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في الكالون. لفتين.. والباب اتفتح.
​الشقة كانت واسعة جداً، السقف عالي، والتراب مغطي العفش المتغطي بملايات بيضا. ريحة المكان كانت ريحة بيوت زمان.. ريحة خشب قديم وذكريات. مشيت بخطوات بطيئة ومرعوبة لغاية ما وصلت لأوضة النوم الكبيرة.
​فتحت الدولاب الخشب الضخم.. وفي الرف الوسطاني، لقيت صندوق خشب صغير محفور عليه أرابيسك. فتحت الصندوق.. ولقيت جواه تلات حاجات:
دفتر توفير في البنك باسمي وفيه مبلغ كبير يسندني طول عمري، وألبوم صور قديم، وجواب تاني صغير.
​
​قعدت على طرف السرير، وفتحت الجواب التاني. كان مكتوب بخط مهزوز أكتر من الأولاني، كأنها كتبته في أيامها الأخيرة:
​”حسن يا بني.. لو أنت بتقرا الكلام ده دلوقتي، يبقى أنت دخلت الشقة وشوفت حاجتي. الفلوس اللي في الدفتر دي حقك، تعوضك عن كل يوم نمت فيه زعلان أو جوعان في الملجأ. بس الأهم من الفلوس هو الألبوم اللي جنبك ده. افتحه وبص في الصورة نمرة خمسة.”
​بسرعة، سيبت الجواب وفتحت ألبوم الصور. كان مليان صور للحاجة روكا وهي شبابة، وصور لزوجها الله يرحمه اللي مات من زمان ومخلفوش. فضلت أقلب.. لحد ما وصلت للصورة رقم خمسة.
​كانت صورة لراجل شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة قديمة من بتاعة السبعينات، وواقف مبتسم في جنينة. الراجل ده.. الراجل ده ملامحه مش غريبة عليّ. عينه، رسمة ديرته، حتى ضحكته.. أنا شوفت الوش ده فين قبل كده؟
​رجعت بسرعة للجواب عشان أفهم:
​”الراجل اللي في الصورة ده يبقى ‘إبراهيم’..  أخويا الصغير. إبراهيم ده كان طايش، ودخل في سكة غلط، واتسجن في قضية كبيرة

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *