وعد الامانه مشيره محمد

ضحكوا لما ابني طلع على مسرح التخرج وهو شايل مولودة في إيده وسمعت واحدة ورايا بتوشوش اللي جنبها وبتقول “طالع لأمه في كل حاجة” بس اللي قاله بعد كدة خلى القاعة كلها تسكت تماماً. كان عندي خمسة وتلاتين سنة ليلة تخرجه والقاعة كانت مليانة دوشة وفرحة وناس بتحتفل وكأني كنت قاعدة لوحدي في الصف التالت. لبسي كان بسيط ورجلي كانت وجعاني وجنبي على الكرسي شنطة هدوم بيبي مش لايقة خالص على المنظر اللي الناس متخيلاه لليوم ده. طول تمنتاشر سنة حياتي مكنتش عن النجاحات كانت عن الصبر. خلفت “ياسين” وأنا عندي سبعتاشر سنة وأبوه “طارق” مش بس مشي لأ ده اختفى في يوم وليلة. لاقيته اختفى وخطه اتقفل وكل وعوده اتبخرت فبقينا أنا وهو لوحدنا. ياسين كبر وسط تعبي وشقاي ودبل الشغل ومصاريف البيت اللي مابتخلصش وليالي كنت بحاول فيها أهون على نفسي. مكنش طفل صعب ولا بيطلب

كتير بس كان بيلاحظ كل حاجة. كان بيلاحظ لما بفوت وجبة عشان أوفر له الأكل وكان بيحس بدموعي لما بكون فاكرة إني لوحدي. لحد ما وصل لسنة تالتة ثانوي وكنت فاكرة إننا خلصنا أصعب فصل في حياتنا وتفوقه كان مضمون. وفجأة بدأ يتغير ويرجع البيت متأخر ويخبي موبايله وأحياناً أشوف في عينيه خوف أو هدوء غريب زي اللي شايل حمل تقيل. قبل التخرج بتلات أيام وقف في باب المطبخ وبيشد في كم قميصه بتوتر وقالي “يا أمي اسمعيني للآخر قبل ما تحكمي”. قلبي وقع في رجلي وحكالي كل حاجة. حكالي عن “حنين” وعن الحمل وعن البنوتة اللي اتولدت من أسبوعين والزيارات اللي كان مخبيها عني والوعد اللي قطعه على نفسه إنه مش هيعمل زي أبوه. وسألني سؤال مكنتش جاهزة ليه “لو خدتها معايا التخرج هتفضلي تيجِي؟”. منمتش الليلة دي وكنت مرعوبة. بدأ الحفل والأسماء بتتنادي وفجأة ياسين خرج من الصف ومشي ناحيتي وقالي “يا أمي هاتيها” ومن غير تفكير حطيت البنوتة في إيده. ضمها ليه تحت روب التخرج ووشها الصغير باين من اللفة وطلع على المسرح. الوشوشة بدأت والضحك انتشر “بجد؟” “مش معقول!” وسمعت الست ورايا بتقول “طالع لأمه”. الكلمة وجعتني لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس وكنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني. بس ياسين مكنش بيتهز ولا بيبص وراه. طلع السلم بثبات وهو شايل بنته وكأنها أغلى حاجة في الكون. استلم الشهادة وممشيش زي الباقيين لأ ده قرب من المايكروفون وفجأة الدنيا كلها اتغيرت.

*حصري / روايات مشيرة محمد *

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *