ملك الخرسانه

“مش بعاقبك، أنا بحمي نفسي وولادي. أنت فاكر إنك بالفلوس دي بتساعد؟ أنت كنت بتمهد الطريق عشان تيجي في يوم تاخدهم مني بحجة إنك تقدر تعيشهم في مستوى أحسن. أنا عارفاك كويس يا نديم، وعارفة تفكير رجال الأعمال.”

​شروط الانحناء

​امتد الصمت بينهما لدقائق، لم يكن يسمع فيها سوى صوت أنفاسهما المتسارعة وضجيج الشارع البعيد. تحرك نديم ببطء، ونظر إليها بعيون تملأها الرجاء:

“طب والولاد؟ هتحرميني أكون أب ليهم؟ هتحرميهم من أبوهم اللي يقدر يفتح لهم الدنيا كلها؟”

​صمتت أميرة طويلاً، نظرت نحو غرفة التوأم، ثم التفتت إليه وقالت بنبرة حاسمة وصارمة:

“أنا مش هطلع شبهك يا نديم. مش هحرم ولادي من أبوهم لمجرد الانتقام. بس عشان تدخل حياتهم، في شروط.. شروط مفيهاش فصال، ولو خالفت شرط واحد، مش هتشوف ضلهم تاني.”

​اعتدل نديم في جلسته وقال بلهفة:

“موافق من غير ما أسمع.. قولي وشروطي فوق راسي.”

​وضعت أميرة شروطها بوضوح كأنها تكتب عقداً لا يقبل التأويل:

​أولاً: الـ 120 ألف جنيه بتوع المستشفى والحضانة، هتدفعهم للدائنين والجمعية اللي جدولت لي المبلغ، بس من غير بروباغندا ولا استعراض. ده دين عليك لولادك مش منّة منك.

​ثانياً: مفيش عربيات مرسيدس ولا رانج روفر هتقف تحت البيت هنا. لما تحب تشوف الولاد، هتيجي بـ “تاكسي” أو عربية عادية جداً، وتلبس لبس بسيط زي بقية خلق الله. مش عايزة ولادي يحسوا بفجوة تخليهم يكرهوا عيشتهم معايا أو يشوفوا أمهم قليلة.

​ثالثاً: أنت مش “ملك الخرسانة” هنا. أنت “بابا نديم” وبس. هتقعد معاهم على الأرض، تلعب معاهم بكور الكرتون، وتسمع لياسين وهو بيشرح لك عن الكواكب والصواريخ، وتشتري لنوح السينابون اللي نفسه فيه من مصروفك الشخصي مش بفيزا الشركاء.

​رابعاً: الولاد هيفضلوا عايشين معايا، وفي مدرستهم، وفي بيئتهم. هتاخدهم يوم واحد في الأسبوع، وترجعهم في المعاد بالملي.

​هز نديم رأسه بالموافقة، والدموع تكاد تفر من عينيه: “موافق.. موافق يا أميرة. هعمل كل اللي قلتيه وزيادة.”

​البداية من تحت الصفر

​مرت ثلاثة أشهر.

​في عصر يوم جمعة جديد، كان الشارع في حي شبرا يضج بالحركة. أمام مخبز عم “جرجس”، توقفت سيارة تاكسي بيضاء عادية ونزل منها رجل يرتدي قميصاً قطنياً بسيطاً وبنطال جينز. لم يكن هذا الرجل سوى نديم الهواري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *