كامله لمشيره محمد

الجزء الثاني
وقف القلم في إيد أمي، صوابعها المرتعشة مش قادرة حتّى تمسكه بإنصاف. كانت بتبصلي بعيون فيها مزيج من الرعب والرجاء، كأنها بتستغيث بيا من غير ما تنطق حرف واحد. شاهيناز ما كانتش دارية بأي حاجة، كانت ضهرها ليا، مكملة في غيّها، فاكرة إن الساحة فضيولها، وإن الضحية خلاص وقعت في الفخ.
اخلصي يا سعاد! شاهيناز نترت القلم في إيد أمي بغل، صوتها كان واطي بس مليان سمّ مش فاضيلك أنا.. أحمد زمانه جاي من السفر بكره، ولازم تكوني اختفيتي من الشقة دي قبل ما يوصل. مش هسمحلك تخربيلي حياتي وتفضلي قاعدة على قلبي هنا كأنك الهانم الوالدة!
أمي هزت رأسها بالرفض وهي بتبصلي، شفايفها اترعشت بس… بس ده بيتي.. بيت ابني اللي تعب فيه.. أنتِ بتعملي كده ليه يا بنتي؟ أنا عملتلك إيه؟
عملتي إيه؟ شاهيناز ضحكت ضحكة جافة صفرا، فيها كمية كره تطفّي الشمس وجودك في حد ذاته بيضايقني! شكلك.. لبسك اللي شبه الشغالات ده.. كلامك البلدوي.. أنتِ مش لايقة على المستوى اللي أنا رايحاله. أحمد رجل أعمال من أكبر رجال الأعمال في البلد، وبكره هيبقى له شأن تاني خالص، ينفع الصحافة تصورك جنبه في الحفلات؟ ينفع ناس من عيلتي يشوفوكي؟ أنتِ بيئتك غير بيئتنا يا سعاد، ووجودك هيقصقص جنحاته. أنا بعمل كده لمصلحته.. ومصلحتي طبعاً!
أنا كنت واقف، الموبايل في إيدي، العدسة ملقمة كل كادر، كل كلمة، كل حركة ضوافرها وهي بتغرزها في كتف أمي، كل نظرة انكسار في

عين أمي، وكل كلمة تهديد وابتزاز طلعت من بقها. الفيديو كان بيسجل أدق التفاصيل، بصوت وصورة أنقى من النقاء نفسه.
قربت خطوات بطيئة جداً من غير ما أعمل أي صوت على السجاد، لحد ما بقيت واقف ورا شاهيناز بالظبط. مسافة شبر واحد بس بيني وبين ضهرها.
أمي عينيها اتوسعت أكتر، ودمعة نزلت على خدها المكمد.
شاهيناز لاحظت نظرة أمي المرتعشة لوراها، فافتقرتها بتمثل أو بتحاول تستعطف حد مش موجود، فربعت إيديها وقالت بسخرية بتبصي على إيه؟ فاكرة حد هينجدك مني؟ أحمد في التيارة دلوقتي، ومش هيوصل غير بكره الضهر.. ومفيش مخادوم في البيت يسأل فيكي. يعني لو صرختي من هنا لبكره، مفيش كائن هيسمعك. وقعي القبالة دي واخلصي بدل ما أرمي هدومك في الشارع حالاً!
وطيت برأسي شوية عند ودانها، وبصوت واطي جداً، أهدى من خرير المية، وبنبرة مرعبة تسحّب الروح
مين قالك إن أحمد في الطيارة يا شاهيناز؟
جسم شاهيناز اتخشب في ثانية.
الدم هرب من وشها في لحظة واحدة، الحركة وقفت في المطبخ كله، حتى نفسها المحبوس ما بقاش طالع. الهوا اتقطع.
لفت رأسها ببطء شديد، كأنها خايفة تلتفت فتلاقي كابوسها حقيقة. وأول ما عينيها جت في عيني، وشافت الموبايل مرفوع في إيدي وبيسجل، إيديها نزلت من على كتف أمي كأنها اتكهربت.
أح… أحمد؟! صوتها طلع مجروح، مبحوح، فاُقد كل النفوذ والقوة اللي كانت بتتنعن بيهم من ثانية واحدة بس.
قفلت تسجيل الفيديو بهدوء شديد. سايفته على الموبايل، ورفعت عيني ليها برود يجلّد بحر.
آه.. أحمد. قلتها وأنا باخد القلم والأوراق من إيد أمي بالراحة، وبسند أمي بقوة وبقعدها على الكرسي. بست رأسها وقلت بصوت حنين حقك عليا يا أمي.. حقك على راسي.. وحياة كل دمعة نزلت منك لأجيبلك حقك تالت ومتلت.
أمّي مسكت في إيدي وهي بترتعش يا ابني.. بالراحة يا أحمد.. بلاش مشاكل يا بني..
بصيت لشاهيناز، اللي كان لونها أصفر زي الليمونة المعتوقة، صوابعها كانت بترتعش وهي بتحاول تجمّع شتات نفسها وترجع لوش الخطيبة الرقيقة اللي لبسته ٨ شهور.
أحمد.. حبيبي! بلعت ريقها بالعافية، وخطت خطوة ناحيتي وهي بتحاول تبتسم ابتسامة باهتة أنت.. أنت جيت إمتى؟ أنت فهمت غلط والله! أنا.. أنا كنت بهزر مع طنط! أنت عارف قد إيه أنا بحبها وبخاف عليها، و…
بهزر؟ قاطعتها بصوت هادي، بس الصوت ده كان بيقطّع في الهوا زي المشرط. بتكشمي ضوافرك في كتفها وبتهدديها بدار المسنين وبتقولي بتهزري؟
والله يا أحمد هي اللي استفزتني! شاهيناز بدأت تنفعل وصوتها يعلى وهي بتحاول تقلب الترابيزة، الطريقة التقليدية لشخص مريوض اتكشف أمك مش عايزة تفهم مصلحتك! أنا كنت بتكلم معاها في مستقبلنا! هي كبيرة في السن ومحتاجة رعاية خاصة، والدكتورة قالت إن…
قبل ما تكمل كلمتها، رفعت إيدي في وشها. حركة واحدة بس خلتها تسكت كأنها اتلجمت.
أنا أطول منك ومن عينك يا شاهيناز. قلتها وأنا بقرب منها، وهي بتبعد لورا لحد ما ضهرها خبط في التلاجة. أنتِ فاكرة نفسك دخلتي بيت مين؟ فاكرة إن الفلوس اللي شايفاها والسلطة والنفوذ دول جوم بالسهولة دي؟ فاكرة إني الراجل الهادي اللي بيلبس بدلة شيك ويقول لو سمحت للويترية؟ أنتِ شفتي وش واحد بس من أحمد الشناوي.. الوش اللي بيتعامل بيه مع الناس النظيفة.
سكت ثانية، وبصيت في عينيها مباشرة، وبقيت أكلمها بنبرة خالية من أي رحمة
أما الوش التاني.. الوش اللي طحنت بيه كل واحد فكر يداوسلي على طرف، أو يسرقني، أو يتعدى حدوده معايا.. أنتِ لسه هتشوفيه دلوقتي.
شاهيناز بدأت تخاف بجد، عينيها راحت للباب المتروج أحمد.. أنت قفلت الباب ليه؟ أنت هتعدي حدودك معايا ولا إيه؟ أنت مش عارف بابا مين وممكن يعمل إيه؟
ضحكت.. ضحكة واطية هزت المطبخ أبوكِ؟ الأستاذ مدحت اللي شركته على وش إفلاس، واللجان الضريبية نازلة عليه تقليب من الشهر اللي فات، ولولا اسمي وشغلي معاه كان زمانه في السجن؟ أبوكِ اللي بايعك ليا عشان أنقذ إمبراطوريته المنهارة؟ أنتِ فاكرة نفسك مين يا شاهيناز؟ أنتِ ولا حاجة.. شحاتة متغلفة بماركات أنا اللي دافع ثمنها!
شاهيناز اتصدمت، بوقها اتفتح وما عرفتش ترد. الكبرياء الزائف اللي كانت عايشة فيه اتهدم في ثواني.
طلعت موبايلي وتكيت على رقم من القائمة. حطيته على الميكرفون الخارجي.
بعد رنتين، جه الصوت أهلاً يا أحمد يا بني! حمد الله على السلامة، عرفت إنك راجع بكره؟
ده كان صوت مدحت.. أبو شاهيناز.
بصيت لشاهيناز وقلت في الموبايل ببرود عمي مدحت.. أنا رجعت

لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *